في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٧٥التحرّج من الفتوى:
فإنّ الحق واحد وهو الذي يأتي على ألسنة العلماء، بل وحتى العالم الذي يفتي لك بشيء حاول أن تسأله عن دليله في فتواه من القرآن أو السنة أو أقوال العلماء، حتى يطمئنّ قلبك، وإن وصل في درجة عالية من الورع والعلم والفتوى فلا يلزمك ذلك، فأنت ناجٍ لأنه تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، وإنّما كثير من الناس لا يتصوّرون عظم ما يقوله العالم، فهم يتكلمون في دين الله برأيهم وكأنّ الذين يصِلون الليل بالنهار للتحقيق في القضايا الفقهية إن هم إلاّ يعبثون، فيقضي أحدهم عمره في التمحيص والبحث
والأخذ من هنا وهناك والمقارنة بين مسائل العلم المختلفة ليفتي للناس بعلم ويقين، ثم يقال إن ذلك العالم مع التاجر والفلاح أو البطّال سواء، فيُعمل برأي من ليس بعالم وينصّب رأيه مقابل رأي العالم ويرجّح رأيه على رأي العالم، فهذه جرأة كبيرة على الله تعالى.
فلقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعون عندما تحلّ عليهم مسألة فقهية فإنهم يتصبّبون عرقا لأجل أن يصلوا إلى الحل الأمثل بعد التمحيص في القرآن الكريم والسنة، فإن لم يجدوا فيها نصّا صريحا فإنّهم يلجأون إلى الاستنباط أو التخصيص أو إلى بيان الإجمال، أو إلى مناظرة بينها وبين مسألة أخرى لاستخراج الصواب، وكلٌّ يرسل السائل إلى من هو أعلم منه، فبعد أن تمرّ المسألة على ستين أو سبعين عالما حتى أنها قد تعود إلى الأول، فعندها لابد له أن يفتي في ذلك، لأنه سيخاف من موقفه ذلك بين يدي الله يوم القيامة، ماذا يجيب الله في ذلك، والمفتُون مُوَقِّعون عن رب العالمين، مثلما جاء به عنوان كتاب بعنوان: "إعلام الموقعين عن رب العالمين"(1)، فهم يوقعون عن الله وسوف يحاسبون يوم القيامة عمّا أفتوا.
(1) كتاب: "إعلام الموقعين عن رب العالمين" كتاب في الفقه و أصول الفقه، ألّفه: محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية، ت:751هـ.