في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨العبد الصالح، الذي أوتي من العلم ما لم يؤت موسى، "أَوَ اَمْضِيَ حُقُبًا"، والحقُب جمع حقبة، والحقبة تمثل ثمانون سنة، وكانوا في القديم يستعملونها بكثرة مثل ما نستعمل الآن لفظة "القرن"، ويستعمل أيضا: الأمم، ويقال حقب وأحقاب مثل ما جاء في قوله تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَابًا﴾ (النبأ: 23) أي حتى ولو مشينا أكثر من ثمانين سنة أو حتى ثمانمائة سنة لما توقّفنا حتى نصل إلى هذا الرجل الصالح.
فبدأ بأوَّلها ﴿اَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ السفينة التي أحسن بها إلينا أصحابها وأركبونا فيها من بلد إلى بلد عبر البحر، وقد رأيتني أخرقها وأكسرها، ثم بعد ذلك أرقعها بحيث لا يدخل إليها الماء أو إذا دخل فإنه لا يضر ولا يغرق السفينة المهم أنه أصلحها فلماذا فعلت ذلك؟ لأنه أولا: السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر وليس لهم ما يكتسبون به غيرها وهم يقتاتون مما يعملون بها فهم فيها شركاء، ويبدو أنها صغيرة، وقيل أنهم كانوا صيادين، وحيث أنهم لا يعلمون الغيب لا هم ولا سيدنا موسى، وحيث أن وراءهم ملك جبار يراقب البحر فما وجده من السفن السليمة يأخذها، ويستغلها لأغراض الدولة أو يستعملها للحرب، أو المؤونة أو لشيء من ذلك، وأما السفن المعطوبة فإنه يتركها ولا يأخذها، وهذه السفن التي يأخذها سواء كانت بعوض أم بغير عوض فما ينفع لذلك أهلها إذا هم بقوا بغير قوت ولا عمل، ولذلك كسرتها ورقعتها حتى تسلم من أخذ الملك وتبقى بيد أصحابها.
أليس هذا خير لهم، فتسلم من أخذ الملك، ويحصلون منها قوتهم وصيدهم، ولا ينقصها شيء حتى وإن رقعت فهي تقوم بعملها بأحسن ما يكون فلربما تزيد مائة عام أخرى ولا يقع لها شيء أبدا فهي لا تنقص في العمل وإنما تنقص شيئا ما في المنظر فقط، وقد فهم سيدنا موسى الحكمة.