في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٨٥

فهذا يتَّصل بالعلم ولذلك أدرجه المرتِّب ـ رحمه الله ـ في باب العلم، وإن كانت الواقعة ليست من باب العلم، ولكن قول الرسول ح «إنَّ من البيان لسحراً» وهو قولٌ حقٌّ، إذ إنه لولا علم البيان لما فرَّق الناس كلام القرآن من سائر الكلام، والذي هو المعجزة الكبرى الخالدة للنبي ح والتي تدلُّ على صدقه وعلى أن الكلام من عند الله، وهي المعجزة الباقية ما بقي القرآن.

كل معجزات الأنبياء والرسل تنتهي بانتهائهم وتبقى خبرًا من بعدهم، كانفلاق البحر لسيدنا موسى - عليه السلام - وما تحقَّق له بالعصا أصبح خبرا، وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، لسيدنا عيسى - عليه السلام - بقي خبرا بعده، فكلُّ المعجزات بقيت خبرا، ولكن معجزة القرآن قائمة خالدة لا يدركها إلا من عرف قيمة البيان، فلا يدرك قيمة كلام الله المعجز الحقيقي الذي لا

يستطيع أن يقوله بشر إلاَّ من فقه البيان، بحيث لو حاول إنسان أن يقلِّد أو يأتي بمثل القرآن فما استطاع إلى ذلك سبيلا.

والمقصود هنا في الحديث البيان يعني علم البلاغة ككل، البيان والمعاني والبديع، وليس لفظ البيان فقط كما ورد في الحديث، ولكي ندرك سرَّ الإعجاز في القرآن الكريم، فلا بدَّ من معرفة هذا الفن، ومن جهل علم البيان ولكنه مؤمن بالقرآن بأنه كلام الله، ولا يقبل أن يشككه فيه أحد، فهذا جيِّد والله يقبل منه إيمانه، ولكن من أدرك إدراكاً عميقا سبب تفضيل الله القرآن على سائر الكلام، يعرف مواضع المنطق السليم والبلاغة التي في القرآن ويدرك مواطنها فهذا طبعًا سيكون إيمانُه أعمق.

صفة القرآن في عهد قريش:

وهذا ما كانت تدركه قريش عند نزول القرآن فلقد بلغت اللغة العربية أوجّها في عصرها، بلغت القمة من البيان في الشعر وفي النثر بحيث ارتقت مرتبة عالية جدًّا، ولذلك جاء القرآن فخاطبهم الله بها، وتحدَّاهم بما يتحدَّثون به.

١٨٥ / ٢٠٨