في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

ولكن لم يبق الآن من يتحدَّث اللغة العربية الفصيحة الحقيقية كلغة القرآن، فقد تدهورت ولم تبق إلاَّ في الأندية وفي الرسائل والمقامات وفي القصائد وفي الملاحم، ولم تعد تتداول بين ألسنة الناس في أحاديثهم وأسواقهم وتجمُّعاتهم وإنما لغتهم الدارجة قد دخلتها العُجمة، وبذلك أدركت قريش أن هذا

الكلام ليس كمثله كلام، فقال قائلهم: «إنَّ فيه لحلاوةٌ، وإنَّ عليه لطلاوةٌ، وإنَّ أعلاه لمعدق، وإن أسفله لمغدق، وإنَّه يعلو ولا يعلى»(1)، رغم أنه مشرك متكبِّر ولا يريد الإيمان ولكنه لم يشعر حتى نطق بهذه الكلمات التي جسَّدت حقًّا أن القرآن حلو من الباطن وجميل من الظاهر، فكلَّما تذوَّقتَ معانيه زادت حلاوتُه أكثر ووجد جماله ظاهرا وباطنا، أعلاه فيه ثمرة والغدق هو عرجون النخلة، أي كالشجرة إن نظرت إلى أعلاها رأيت تلك العراجين المليئة بالتمر الناضج، وإن نظرت إلى أسفل رأيت سواقياً من المياه تجري، فهي نخلة على حافة نهر، أصلها في الماء ورأسها في السماء وثمرتها دائمة، إنَّ أعلاه لمعدق وإن أسفله لمغدق، حقًّا إنه تعبير بليغ وإنه كلام يعلو ولا يعلى، فكلَّما وضعته ووازنته بكلام آخر، فلا بدَّ أن يعلو ويتفوَّق عليه، هذا مشرك وأقرَّ بهذا!

وقد أدركت قريش بلاغة القرآن وفصاحته ولم يعارضوه، وقد قال لهم القرآن إن شئتم أن تأتوا بمثل هذا الكلام إن كنتم صادقين ثم افعلوا ما شئتم ولكنهم لم يستطيعوا، ثم قال لهم القرآن: فاتوا بعشر سور من عندكم مفتريات

(1) ينظر: الحاكم، المستدرك على الصحيحين 09/ 75.رقم: 3831، وكذا: أطفيش، تفسير هميان الزاد،07/ 158. وكذا: ابن كثير، تفسير القرآن، بلفظ: «قال الرجل فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه ليعلو وما يعلى عليه وما أشك أنه سحر»، 4/ 444.

١٨٦ / ٢٠٨