في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨٩فقال الزبرقان: «أما إنَّه والله علِمَ أكثر ممَّا قال، ولكنَّه حسدني في شرفي»، فردَّ عليه عمرو، والرسول ح يستمع: «أمَّا إن قال ما قال، فو الله ما علِمتُه إلاَّ ضيِّقَ العطنِ، زمِنَ المروءة، أحمقَ الأب، لئيمَ الخال، حديث الغنى»! كلُّه هجاء، ضيِّق العطن أي ضيق القلب، سريع الانفعال، والعطن هو الأرض التي يبرك فيها الإبل عند الورد فإن كانت ضيقة فستضيق بمن فيها، وهي إشارة إلى أنه ضيق الصدر لا حلم له ولا سعة صدر، وكأنه مريض المروءة بل لا مروءة له، أحمق الأب أي آباؤه مجانين حمق، وأخواله لئام، لم يأته الشرف لا من جهة الأب ولا من جهة الأم، وكذلك حديث الغنى، أي كان فقيرا ولم يرزق بالمال إلاَّ حديثا، لأنهم يعتبرون أن من نزلت عليه ثروة مفاجئة فاغتنى بها أقل مكانة ومنزلة من هو عريق الجاه والغنى.
فرأى الكراهة في وجه رسول الله ح جرَّاء ذلك التناقض والكذب، بسبب الاختلاف في قوله، أيمكن تصور هذا؟ فقد كان قبل حين يمدحه وإذا به الآن يذمُّه؟ فاغتاظ الرسول ح، ففهم ذلك من وجه الرسول ح، فأجابَ الرسولَ قبل أن يسأله، «يا رسول الله رضيتُ فقلت أحسنَ ما علمتُ، وغضبتُ
فقلت أقبحَ ما علمتُ، وما كذبتُ في الأولى ولقد صدقتُ في الثانية»، أي أنَّ ما قلته في الأولى واقع وما قلته فيه في الثانية أيضا حاصل، فلم أكذب في الأولى، وأنا صادق في الثانية .... عجيب أمرهم!
فقال الرسول ح «إنَّ من البيان لسحرا» وأكَّد الخبر بإنَّ واللام، فكأنه حلف حلفا، فالبيان الجميل والمنطق السليم يسحر الناس سحرا، ففي الأولى ترى الرجل وكأنه ملك، وفي الثانية تراه وكأنه شيطان، والغرابة في أنه لم يكذب عليه أبدا.
السحر الحلال والسحر الحرام: