في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣ثم بعد ذلك استشكل المفسرون بأنه كيف يكون رجلا صالحا ويترك لأبنائه كنزا فهذا دليل على حبه الدنيا، والرجل الصالح يترك التربية ويترك الإيمان والصلاح والدين للأولاد، فكيف يترك لهم كنوزا مدفونة؟ لا هذا غير صحيح لأنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»(1) فأن تذر عيالك أغنياء عندهم مال يكفيهم لمعاشهم خير من أن يبقوا محتاجين يمدون للناس يد السؤال، ثم إن هذا الكنز المدفون لا بدّ وأنه كان يدفع زكاته، وهو ليس من الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، فليس كل ما يكنز حرام لا، بل إن كان مالا تخرج منه الزكاة المستحقة فهو جائز، كما قال العالم الكبير ابن عباس بعد أن نزلت الآية السابقة: «كل مال أدّيت زكاته فليس بكنز ولو دفن في سبع أراضين»(2). فما دام يخرج منه حقُّ الله فهو جائز ولا يعذب صاحبه باكتنازه. بل إن هذه فائدة نأخذها من هذه الآية، فيمكن لرجل صالح
أن يترك لأبنائه كنزا، فلو كان غير جائز لما حكاه الله بهذه الكيفية في القرآن الكريم بل ووصف الذي زكّاه بأنه صالح.
شرح رواية ابن عباس «أن الكنز لوح من ذهب منقوش»
(1) رواه الربيع في صحيحه: باب الوصية، رقم: 680، ورواه البخاري، في صحيحه، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي سعد بن خولة، رقم: 1213. 1/ 435.
(2) ينظر الحاكم، المستدرك على الصحيحين، بلفظ: عن أم سلمة، .. أنها كانت تلبس أوضاحا من ذهب فسألت عن ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت أكنز هو، فقال: إذا أدَّيت زكاتَه فليس بكنز» رقم: 1439، 1/ 547.