في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٥«عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب»، أي عجبت لمن يؤمن أنَّ الرزق مقسوم مضمون من عند الله تبارك وتعالى ولكنه يتعب في جمعه. وهنا وقفة؛ فلا ينبغي عند اعتقادنا أنَّ الرزق مقسوم أن نتوقَّف عن طلبه فلا نعمل ولا نكدّ، ونجلس فيأتينا رزقنا، نعم إن جلست قد يأتيك رزقك بإذن الله، ولكن العمل عبادة وطاعة وواجب ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (البلد:4) ﴿يَآ أَيُّهَا الاِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ اِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾ (الانشقاق:6) التعب البدني والعرق عبادة، وإنما المقصود به هنا هو التعب القلبي، فهنالك من الناس من هو دائم العمل والكسب ولكن الوساوس والمخاوف لا تفتأ تتملك قلوبهم، دائمي اللهف واللغط والنكاية وكأن لم يكسبوا شيئا، فهذا هو التعب الفكري المنهي عنه فالجسد نعم يتعب ولكن القلب عليه أن يكون مرتاحا مملوءًا يقينا وإيمانا وتوكّلا على الله وهو خير الرازقين.
اعمل وتوكل على الله، فإن كانت نتيجة عملك كما تريد فهذا حسن، وإن كان دون ذلك فعليك أن ترضى بذلك، وتكون قانعا بما رزقك الله، وتتبع
الكسب الحلال في ذلك، فإن تلف ذلك المال فلا تموتنّ معه، ولا ينبغي إن خسرَت تجارتُك أو نُهب مالك أن تقتل نفسك أو تنهار جسديا لأن مالَك ذهب واندثر لكن الرزق على الله، فقد يرزقك من حيث تكنز وتذّخر، وقد يرزقك من مكان آخر، فعندما خلقت في هذه الدنيا لم يكن الله لينتظرك حتى تبدأ في العمل ثم يرزقك، فكنت تأكل وتشرب وتلبس قبل أن تبدأ في العمل "غرسوا فأكلنا، ونغرس ليأكلوا" فلا يلزم أن يكون رزقك مما عملت، وإلا أين كنت ومن أين كنت تأكل قبل أن تكسب؟!