في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٦إذن فهذا هو التعب المنهي عنه التعب الذي فيه الحزن وربما الانتحار، والجزع لقضاء الله وقدره، والبخل مما رزقه الله خشية موته أو موت أبنائه، وكذلك التعدّي على أموال الناس بزعم أن الحلال لا يكفيه ولا يغنيه لإعالة عياله فلابد من الأخذ من الحرام فيغصب ويغش ويخون الأمانات ويأكل الربا، ويبيع الغرر فكل هذا يقوم به سعيا منه لجمع ما يكفيه لأبنائه وأسرته، واعتقادا منه أن الحلال لا يكفي وحده، فهذا لا يعتبر تعبا للدنيا فحسب وإنما هو التعب الأبدي في الدنيا والآخرة.
فلا تتّبع الشيطان فيما يلهيك عن فرائضك وواجباتك، ولا تتعب جسدك أيضًا أكثر مما يطيق، فإن كان جسدك يتحمّل ستّ ساعات عمل أو سبع فلماذا تشقي جسدك أكثر من ذلك، فتبقى ليلاً ونهاراً في عمل مضنٍ مستمر حتى ترهق جسدك، ولا شكّ أن ما يوصل الإنسان إلى هذا هو خوفه
من الموت بسبب الفقر، فلا تناقض بين آيات الله مما نزل في الكتب السماوية السابقة، وما نزل في القرآن الكريم، أو ما نطق به الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سنته المطهرة، وإنما فهمنا القاصر أحياناً يوحي لنا بوجود التناقض فيه فإن قال أحدهم: بما أن الرزق مقسوم فلا نعمل، فهذا طعن في هذه الكلمات.
«وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل» يؤمن بحساب يوم القيامة حيث سيحاسب على أقواله وأفعاله وأخذه وتركه ثم يغفل عن كل ذلك، وليس الغفلة مجرد النيات وإنما يعمل الأعمال التي يحاسب ويعاقب عليها، والغافل من يعمل أعمالا في الدنيا يعلم أنه سيعاقب عليها في الآخرة فهذا لابدّ للإنسان أن يحاسب نفسه وليس حتى ينبهه الناس أو يخشى من العدالة أو القضاء أو السجن أو التغريم، ومن حاسب نفسه في الدنيا كان حسابه يسيرا يوم القيامة.