في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٧

ثم الكلمة الأخيرة «عجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها، كيف يطمئن إليها»، فالحياة الدنيا دائمة التقلّب بأهلها فكم من أناس يصعدون ثم ينزلون، وكم منهم من يُولّ ثمّ يعزل ومنهم من يعز ثمّ يذل، وهذه هي طبيعة الدنيا بأهلها، فكيف للعبد أن يأمنها ويسكن فيها، والاطمئنان إلى الدنيا هو الغفلة التامة عن الآخرة، فلا يعمل لها ويقدّم لها بالأعمال الصالحة ولا الباقيات الصالحات من الحسنات، لأن الدنيا استهوته وغرّته، فلربما يظلم الناس ويتكبّر ويطغى بدنياه، فكثير من الناس طغوا إما بأموالهم وإما بعلومهم أو بسلطانهم أو بصحة أبدانهم أو

بما إلى ذلك من أمور الدنيا، اغتروا بنعيم الدنيا وقالوا إنّ هذا النعيم خالد لن يزول أبدا، كما قال صاحب الجنتين: ﴿مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهُمَا مُنقَلَبًا﴾ (الكهف:36) كيف تنتهي كل هذه الجنات، وهي تتدفق أنهارا وخضرا وثمارا فكيف تموت كل هذه الخيرات وتنقطع، وإن ذهبت إلى الله يوم القيامة فسأجدها خضراء أيضا. فمثل ما أعطاني الله من النعم في الدنيا فسيمدّني بمثلها في الآخرة أيضا.

كثير من الناس يقولون هذا بلسان مقالهم، فإن لم يقولوه بلسان مقالهم فإنهم يقولونه بلسان حالهم، إعجابا بالدنيا واطمئنانا إليها وغرورا واعتزازا بها، إذن فيجب أن تعاشر الدنيا عشرة ارتياب لا عشرة اطمئنان. نأخذ منها الزاد ليوم القيامة وكفى وبعدها نمسكها باليد اليسرى فلا نعجب بهذه الدنيا لغاية النسيان والغفلة، فهي دار من لا دار له، وحظّ من لا حظّ له.

٢٧ / ٢٠٨