في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٨

وسيدنا الخضر - عليه السلام - عندما فارق سيدنا موسى - عليه السلام - قال له أوصني فقال: «أنبذ الدنيا وراءك ظهريا، فإنها ليست لك بدار ولا هي محل قرار، إنما هي بُلغة للعباد ليتزوَّدوا منها لدار المعاد»(1) فلا تغرنَّك الدنيا فإن أتتك من الأمام فألق

بها وراءك ظهريا، فليست لك بدار ولا هي مكان استقرار لك ولا لأحد قبلك ولا بعدك، إنما هي بلغة للعباد ليتزوّدوا منها لدار المعاد، ودار المعاد هي يوم القيامة التي نرجع إليها جميعا إلى ربنا ونصير إليه ليحكم بيننا وهو خير الحاكمين. ثم بعد ذلك افترقا وقد حصل موسى - عليه السلام - على هذا العلم.

إذن فنستفيد من قصة هذا اليتيم أيضا أنه إذا أردنا أن يحفظنا ربنا ويحفظ أبناءنا فعلينا أن نجمع لهم من المال الحلال ونعلمهم الصلاح، كن صالحا ونشء أبناءك صالحين، وإن كتب الله لك أن تموت وكل عمر ابن آدم قصير فلن يضيّع الله أبناءك من بعدك إن كنت صالحا ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُومِنَيْنِ ( … ) فَأَرَدْنَآ أَنْ يُّبَدِّلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ .. ﴾ "فأردنا" الفاء هنا سببية أي من أجل صلاح أبيهما أراد الله أن يبلغا أشدهما ويكبرا، ثم يقرآن وصية أبيهما فيستخرجا هذا الكنز فينتفعان به، ولا بأس إن فهمنا أن هذا الكنز على تفسير ابن عباس فيكون قد جمع بين كنز الدنيا وكنز الآخرة، وصايا منقوشة في صحيفة الذهب فهم يترفقون بذلك الذهب وينتفعون بتلك الوصايا.

هذا ما كان من أمر موسى والخضر عليهما السلام ولنا فيه عبرة، وها نحن أخذنا العلم ولم نرحل إليه وموسى رحل إليه ارتحالا فاستفدنا منه.

(1) ينظر: الهيثمي، روي عن عمر بن الخطاب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلفظ: « .. واعزف الدنيا وانبذها وراءك فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محل قرار، وإنها جعلت بُلغة للعباد ليتزوّدوا منها للمعاد» مجمع الزوائد، 1/ 130. الطبراني، المعجم الأوسط، 7/ 79.

٢٨ / ٢٠٨