في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩الشجر والحجر يستغفر لمن رحل في طلب العلم:
كذلك عندنا في حديث مرفوع إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - من طريق صحيح أن أحدا من عامة الصحابة - رضي الله عنهم - من المغمورين لكنه ممن يشهد له بالفضل، فلو أنه لم يذكر إلا في هذا الحديث لكفاه وهو الصحابي: قبيصة بن مخارق المحاسبي(1) - رضي الله عنه -، جاء إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - من بلده البعيد يطلب العلم، فقال يا رسول الله كبرت سنّي ودقّ عظمي وجئتك تعلّمني علمًا ينفعني الله به، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أبشِر يا قبيصة إنّك ما مررتَ بشجر و لا حجَر إلا استغفر لك»(2) فهذا هو وجه المناسبة، يعني الرحلة في طلب العلم رغم ما كان من أمر هذا الصحابي من كبر في العمر وضعف في الجسد، إلا أنّه جهّز نفسه وارتحل إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - لينظر إلى وجهه الكريم، فقد يكون رآه من قبل وربما لم يره، وإنّما أراد الاستزادة بالقرب من النبيء - صلى الله عليه وسلم - للاستفادة من هذا النور، وبما عنده من العلم، فلم يقل إني قد كبرت في العمر وقد لا ينفعني التعلّم، وكذلك النبيء - صلى الله عليه وسلم - لم يقل له: ما جاء بك
(1) قبيصة بن المخارق بن عبد الله الهلالي، كنيته: أبو بشر البصري (والد قطن بن قبيصة)، صحابي جليل، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه. ينظر: المزي، تهذيب الكمال،23/ 493، ابن حجر، تهذيب التهذيب: 8/ 350.
(2) رواه أحمد في مسنده: بلفظ: «يا قبيصة ما مررت بحجر ولا شجر ولا مدر إلا استغفر لك .. » كتاب أول مسند البصريين، باب حديث قبيصة بن مخارق عن النبي، رقم: 19692، 5/ 60. وانظر: الهيثمي، مجمع الزوائد، 1/ 132.