في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٥

لكن من جهة أخرى ينبغي لطالب العلم أن يكون في نهاية العقل والأدب، يجب على الذي يخرج من داره طالبا للعلم أن يكون في غاية الوقار والأدب والخشوع، لا يتفكّر إلا في مسائل العلم، ولا تصدر منه أعمال تستحي منها الملائكة فتكون مخالفة للأدب، أو خارجة عن موضوع العلم. يجب أن

يستحي من الملائكة حتى لا تذهب عنه وتتبرأ منه، وتتركه وهي غير راضية عنه، وربما قد تلعنه إذا سمعت منه ما يستوجب اللعنة، يجب على طالب العلم أن يتفكّر وأن يكون من أولي الألباب وأولي البصائر، ويذهب إلى أعماله بفكر حاضر وبصيرة مستنيرة، ولا يمش كما اتفق بدون بصيرة أو غاية أو نية.

إن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج إلى صلاة الجمعة يخرج في غاية الأدب والوقار، فبعد أن يغتسلَ ويتطيَّب، يقول: «اللهمَّ إنّي لم أخرُج أَشرًا ولا بَطَرًا، وإنما خرجتُ ابتغاءَ مرضاتكَ، أسألُك بحقّ ممشَايَ هذا وبحق السائلينَ عليك أن تغفرَ لي وتنقذني من النار»(1).

دعاء من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعمل الرسول أسوة لنا لأنه نبي، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب:21) فلنقتد به في هذا ولنتأدّب بأدبه ولنأخذ من أخلاقه وصفاته، وإننا لا نصل إلى كماله ولكننا نأخذ الكثير إذا كانت نيّتنا صالحة. فكان - صلى الله عليه وسلم - يخرج غاضًّا بصره ويمشي مشية التواضع، «اللهمَّ لم أخرج أشرًا ولا بطرًا» أي لا تكبراً ولا رياءً ولا سمعةً ولا طغياناً ولا مباهاةً ولا فخراً ولا خيلاء، … «أسألك بحقّ ممشايَ هذا .. »، لأن الله أوجب على الماشين إلى المساجد ومجالس العلم حقًّا كبيرًا، كتبَهُ على نفسه،

(1) رواه ابن ماجة في السُّنن، كتاب المساجد والجماعات، باب المشي على الصلاة، رقم: 778، 1/ 256. ورواه أحمد في مسنده، مسند أبي سعيد الخذري، رقم: 11172، 3/ 21.

٣٥ / ٢٠٨