في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥١

فالعلم أو حرفة العلم خير من جميع الحرف ولا تشبه الحرف الأخرى، لأنّ ثمرته تنال من أول يوم تزرع فيه بذرته في ذلك اليوم الذي تنوي فيه الذهاب، وإن لم تتعلم أو تعلّمت النزر القليل ومتّ، فقد نلت درجة عند الله تقربك إليه، وإن كان قد قال الله تعالى: في شأن العلماء: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:11) يرفعهم بعلمهم وحتى الذين يذهبون للتعلّم،

لأنهم يتقربون إلى الله، ومعنى تقربهم أنهم يرتفعون درجات. وهذا فضل في العلم خاصة، ولا يوجد في غيره، فلنستمسك به لأنّ تعلُّمه قُربة.

«وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة» وإذا صار عندك هذا العلم فطبعا عليك أن تعلّمه، إذا تعلم أحد منها مسألة أو اثنتين أو مائة مسألة، لا ينبغي أن يكون تعلّمه لنفسه، لا بدّ أن ينشره ويعلّمه للناس فينالُ بذلك أجر التعليم وأجر نشره، فينجو من الحساب، قال - صلى الله عليه وسلم -: «نضّرَ الله امرُؤًا سمعَ مقالتي فوعاها ثم أدّاها كما سمعها»(1)، فهذا هو التعلّيم وهذه الصدقة في التأدية أفضل من كل الصدقات يعني أفضل من صدقة المال، فلو أنّك تصدقت على فقير بمال وفير وتصدّقت بمسألة علم، فإن صدقة العلم أفضل من صدقة المال الكثير، لأن صدقة المال تفيد بدنه الذي هو مادة والمادة تفنى، وصدقة العلم تفيد روحه، والروح تبقى.

(1) رواه ابن ماجة في سننه، باب من بلغ علما، رقم: 230، 1/ 84. ورواه أحمد في مسنده، مسند أنس بن مالك، بلفظ: «نضَّر الله عبدًا»، رقم: 13374، 3/ 225.

٥١ / ٢٠٨