في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٢

ورد في "سير المشايخ" قالوا «من أدخل إلى مدينة كتاب علم لم يوجد فيها، فهو خير ممن أدخل إليهم ألف حمل من دقيق»(1)، طبعا معنى الأثر صحيح، أكثر من هذا فلو جاء أحد بكتاب فيه الفقه والدين التفسير أو الحديث أدخله إلى مدينة غير موجود فيه، فنشره في تلك المدينة خير ممن حمل لهم ألف حمل من

دقيق، والحمل قنطاران يعني ألفي قنطار من دقيق، والمعنى واضح لو كان ألف حمل من دقيق وزعناه على مدينة فيها عشرة آلاف أو عشرين ألف ساكن، كل واحد يتحصل على العشر أو الربع من الدقيق يتعشّى به ليلتين وينتهي، ولكن كتاب واحد من علم يفيد المدينة كلها بفائدة مستمرة، والدقيق ينجيهم من الجوع، وربما الجوع يؤدي بهم إلى الموت، ـ والموت طبعا يكون بالأجل ـ ولكن العلم ينجيهم من الجهل، وينجيهم من النار وهذا مثال ساقوه إلينا للمقارنة.

صدقة العلم أفضل من صدقة المال:

ثم إنّ صدقة العلم لا تشبه صدقة المال، لأن المال إذا أنفقت منه أدخلت فيه نقصا ـ وإن كان الله يخلفه ـ، والعلم كلما تصدقت منه نما ولم ينقص، فلو أنت علّمت مسألة لأناس ألقيتها عليهم عبر إذاعة أو نشرتها عبر العالم، تبقى عندك المسألة موجودة، ولذلك يقول الشيخ السالمي في باب العلم:

والمال إن أنفقت منه شقصًا لا شك قد أدخلت فيه نقصًا(2)

المال إن أنفقت منه شقصا يعني جزءًا، أدخلت فيه نقصاً، وإنّ المال ينقص بالإنفاق والعلم يزداد بالإنفاق، وأما الخلف فالله يخلف في المال والعلم ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ:39).

(1) ينظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب، 2/ 233، وهو قول للشيخ عمران موسى بن زكرياء المزاتي، (400ـ 450هـ).

(2) ينظر: الشيخ السالمي، جوهر النظام، كتاب العلم، ص: 5.

٥٢ / ٢٠٨