في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٣

كذلك إن صدقة العلم لا يقوم بينك وبينها مانع ولا حجاب، ولو سمع أحد في الجزائر أنّ جهلاً في تونس أو في ليبيا أو في الحجاز أو في أيّ مكان، واتّخذ الزاد لينشر علمه الذي في صدره خارج الحدود، إذا وصل إلى حاجز الجمارك يقولون له: اترك علمك هنا لأن العلم لا يخرج من الجزائر، فهذا لا يحدث أبدا، ولا يمكن أن يقولوا له هذا؟ بل إذا علموا أنه عالم يحترمونه لأنّهم يعلمون أنه سيشّرف الجزائر عندما ينشرُ العلم في الخارج، وسيرجع بذلك العلم أيضا عند عودته.

بينما إذا كان لأحد مال في الجزائر وسمع بمجاعة في تونس أو ليبيا أو مكان آخر، وقال أحمل مبلغ مليون أو اثنين لأنفقه على هؤلاء الجياع، فإذا وصل إلى الحدود، يمنعونه، حتى ولو قال لهم إني سوف أنفقه على الفقراء، يقولون له: هذه عملة الجزائر لا تخرج، أو ربما عملته لا تنفع ولا تصرف في الخارج، ويقولون له: إذا أردت ذلك فتصدق على الفقراء الذين هم في بلادك.

فصاحب المال يرجع ولا يقبل، وصاحب العلم يملك أن يذهب ويتصدق بعلمه حيث يريد ثم يرجع، وصاحب المال أيضا يخاف عليه من السرقة عندما يحمله في أوعية، بينما صاحب العلم لا يخاف عليه السرقة يذهب بعلمه ولا يسرق من قلبه أبدا.

إذا صفة العلم إذا قارنتها بصفة المال من جميع الوجوه فالعلم خير وأفضل وأنفع وأعمّ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، فضيلتان تعلّمه قربة وكذلك هو لا يشبه الحرف الأخرى فمن أول يوم نأكل ثمرته من أول الغرس، ثم إن تعليمه ونشره للغير صدقة وهي خير من جميع الصدقات.

٥٣ / ٢٠٨