في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٥يروى أن عبد الله بن مبارك في زمان أحد من الملوك العباسيين خرج من بيته وجاء الناس في موسم عيد أو موسم آخر فصار الكلّ يسلم عليه، منهم مشتاق إليه، ومنهم من يسأله في مسألة، ومنهم من يتبرّك بمشيه، لأنه عالم مشهور ومن الصالحين الكبار، «فخرج أحد الملوك وقتئذ ـ أظنّه المنصور أو هارون الرشيد ـ فرأى هذه الأبّهة، فقال: هذا هو المُلك
الحقُّ»(1)، أي الملك الحقيقي وليس الملك الذي نحن فيه، فملكُ العلم أفضل من ملك الدنيا.
وينزل صاحبه منزلة الشرف والرفعة هذا بدون شك، وإنما هنا وقفة؛ ربما يخطر على بال واحد ويقع في خلدِه أن يجعل تعلّمه لهذا الشرف وهذه الرفعة عند الناس، هذا خطر، فقد خاب وخسر من جعل همُّه من تعلمه شرف الدنيا والرفعة والشهادات فهو من الخاسرين، وسيأتي في أحاديث علماء السوء، إنما يأتي الشرف والرفعة عرضا، ولا يقصده الإنسان قصدًا، وإنما ينبغي أن ينوي من تعلّمه نفي الجهل عن نفسه، والتقرّب إلى الله، بتعلّمه، ونشر العلم في
الناس، هذا ما يقصده لينال الثواب عند الله تبارك وتعالى ليحشر يوم القيامة آمنا ويرزق الورود على الحوض.
فهذا هو الشرف والرفعة الذي ينبغي أن تقصد أيّها الإنسان، نعم قد تحدثّك نفسك بشيء من مكاسب الدنيا ولا بدّ أن تحدّثك به، لكن عليك أن تدفعه عن نفسك فلا تطلبه، إياك أن يكون هذا مطلوبك وإذا كان هو مطلوبك في الدنيا فلا حظ لك منه في الآخرة.
ونحن إذا قلنا الشرف والرفعة فنحن مكلفون ومتعبّدون بتقديم العلماء وتشريفهم وهذا ما نتقرب به إلى الله، ولكن العلماء لا يطلبون ذلك لأنفسهم.
القطب أطفيش يزور القرارة:
(1) هذا القول قالته زوجة هارون الرشيد عندما رأت إقبال الناس على عبد الله بن المبارك. ينظر: ابن الجوزي، صفة الصفوة، 2/ 332.