في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦٠

فالعلم خير من أي جهة أتيته وإنما شرطان لا ننساهما في طلب العلم، أولا: طلبه لله، ثانيا: العمل به، لا ينفع إن تعلمت العلم وعلّمته غيرك وأنت لا تعمل به، فيكون مَثلُك كمثل الأرض الصمّاء فيها ماء جاء الناس وشربوا منها وانتفعوا وذهبوا ولم ينفع الماء تلك الأرض لأنها صماء، فالأرض التي أمسكت الماء قيعان ليست كالأرض المنبتة، هذا مثل العالم الذي يعلم الناس ولكنه لا ينتفع بعلمه وهذا واقع، وعليك أن تحذر أن تكون من هذا النوع الذي يتعلّم لنفسه فقط ويبخل ولا يعلم غيره، بل عليه أن ينشر العلم كلما سنحت الفرصة له وكلما لقي آذانا صاغية ووجد من يكوّنه ويلقّنه العلم، بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير.

وعليه أن ينشره في الناس بنية خالصة لله سبحانه وتعالى، ولا يقل إنّ الناس لا يستمعون إليَّ ولا ينفعهم ذلك، إن لم ينفع مائة أو ستون أو سبعون سينفع خمسون أو عشرة ولو حتى واحد في المائة، لو علّمت مائةً من الناس فاستجاب لك واحدٌ، فهذا أفضل من الدنيا وما فيها «لأن يهديَ الله رجلا على

يديك، خير لك مما طلعت عليه الشمس»(1) إذا دعوت ناسا فاستجابوا لك فهذا خير لك مما في الأرض من ذهب، ليس لتكسبها بل لتنفقها في سبيل الله، والأرض إن كسبتها وهي ميتة فليس لها قيمة، وهداية شخص خير من ذلك.

لا يقول الإنسان إنّ الناس لا يستمعون إليّ، فأينما ذهب أحد منّا سواء في دائرة صغيرة أو كبيرة، ولقيَ الناس مجتمعين وفي وقت مناسب يجب أن يستغل الفرصة ويعلّمهم مما تعلم، ولا يقول إنّي لست بعالم فكيف أعلّم الناس، وهل توجد درجة يصل إليها المرء حتى يقال فيه هذا عالم، لا يوجد بل هي أمور نسبية ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف:76).

(1) ينظر: الحاكم: المستدرك على الصحيحين،3/ 690. / الهيثمي: مجمع الزوائد، 10/ 105.

٦٠ / ٢٠٨