في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦٤

وإذا ضيّعنا صغارنا مع تبدُّل الحال وأصبحنا نهتمُّ بعلم الدنيا أكثر من علم الآخرة، فستنقطع هذه الأمانة ويذهب العلماء ويذهب العلم معهم، فينشأ الصغار بعد ذلك جاهلين، فيتحقَّق بذلك ارتفاع العلم الذي هو شرط من أشراط الساعة الكبرى، فيصير بعد ذلك كل شيء إلى الهلاك.

أهمية العلم في الصغر:

ولهذا الاعتبار وجب الاعتناء بتعليم الصغار أكثر، وكذلك لاعتبار أنَّ فيهم الاستعداد العقلي لتلقّي كل علم، فهم في مرحلة الصغر التي يكون العلم فيها كالنقش على الحجر، وأما العلم الذي يأخذ في الكبر فهو كالذي يكتب في الرمل أو في الماء سرعان ما يزول، وهذه أبيات مفيدة أنشَدَها الشيخ السالمي:

أُرانِي أَنسَى ما تعلّمتُ في الكِبرِ … ولستُ أنسَى ما تعلمتُ في الصغر

وما العلمُ إلاّ بالتعلُّم في الصِّبَا … وما الحلمُ إلاّ بالتحلُُّمِ في الكِبر

ولو فَلَقُوا قلبَ المعلَّم في الصّبا … َلأُلفِيَ فيه العلم كالنقش في الحجر

وما العلمُ بعد الشيب إلا تعسُّفٌ … إذا كَلَّ قلبُ المرء والسمعُ والبصر

وما المرء إلا اثنانِ عقلٌ ومنطقٌ … فمَن فاتَه هذا وهذا فقد دَمَر

أجد نفسي أنسى ما تعلّمته في الكبر، يعني ينسى اليوم ما تعلّمه أمس، كم يشتكي من النسيان ولكن رغم ذلك لم ينس ما تعلّمه في الصبا والصغر.

وما العلمُ إلاّ بالتعلُّم في الصّبا … وما الحلمُ إلاّ بالتحلُّم في الكِبرِ

العلم الحقيقي هو العلم الذي يؤخذ في الصّبا، كما أن الحلم يكون بالتحلُّم أي أن الصبر والأناة والوقار تكتسب اكتسابا وتعلّما لكن في زمن الكبر حتى يصير طبعا من طباع الإنسان.

ولو فلَقوا قلب المعلم في الصِّبا لأُلفِيَ فيه العلم كالنقش في الحجر

أي لو شقُّوا وفتحوا قلب الصبي ليروا كيف كتب وتكوَّن فيه العلم فإنهم سيجدون فيه العلم الذي نقش على الحجر الأصم، لا يذهب ولا يُمحى، حتى لو وقعت عليه الأتربة أو الغبار أو أي شيء، فعندما ينفض ذلك الغبار يبقى الأصل منقوشا محفوظا.

٦٤ / ٢٠٨