في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٥وما العلم بعد الشيب إلا تعسّف … إذا كَلَّ قلبُ المرء والسمع والبصر
التعلّم بعد الشيب تعسّف أي مشقة وعنت، لأنَّ الإنسان في الكبر يكون قد كلَّ فيه كل شيء؛ قلبه تعب من هموم الدنيا، وضعفت ذاكرته، وسمعه يكلّ أيضا، وربما يصير يسمع خلاف ما يقال له، ويكلّ بصره، وقد تلامس جبهته اللوح حين يحاول أن يقرأ منه ولا يستطيع لشدّة ضعف البصر، فلا يتمكّن من القراءة ولا الكتابة جيدا، لأنَّ كل شيء قد أصبح كليلا.
وما المرء إلا اثنان عقلٌ ومنطقٌ … فمن فاته هذا وهذا فقد دَمَر
وما المرء إلا عقل ونطق أي عقل ولسان، والذي فاته العقل والمنطق فقد دَمَر أي قد هلك، ليس المقصود بالعقل العقل المجرد بل العقل المُعلَّمُ الحافظ الواعي.
لهذا الاعتبار كانت العناية بالتعليم في الصبا لأنه ينتقش في هذه الصفحة النقيّة البيضاء نقشاً، ثم بعد ذلك لأنّ الصبيّ يكون له كامل الوقت فهو ليس مكلف بشؤون حياته فهو يتعلّم ووالداه يُغنيانه ويوفران له حاجياته وأغراضه، ولو كان يتيما فالذي يكفله يستطيع كفالته في فترة تعلمّه منذ الصبا إلى السن العاشر أو الخامس عشر، أو العشرين، ولا يعجزه ذلك لأنه فرد واحد يسهل عليه أن يعيش مع أيٍّ كان، على عكس ما إذا كان متزوجا وله أولاد فإنه من العسير أن يجد الهناء والاستقرار مع ثقل أعباء الحياة، فلا تتاح له الفرصة للتعلم، ولهذا فإذا أراد المرء أن يغنم العلم فليغنمه في الوقت الذي تكون فيه تكاليف الحياة قليلة، ويستطيع التفرُّغ لطلبه، ولهذا وجب الاعتناء به في هذا العمر أكثر، وهو الذي قد جاء به هذا الحديث حاثًّا على العناية بالعلم في الصغر.
أسباب إطفاء غضب الربّ:
«تعليم الصغار»، الله تبارك الله وتعالى يرضى على الأمة وعلى الناس الذين يعلّمون صغارهم العلم، وأوَّل ما يعلّمونه من علم الله: القرآن الكريم.