في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧١

ولذلك علينا أن نبادر إلى تعلّم العلم واغتنام الفرص ما دام هناك من يعلِّمنا، أو نسأله فيجيبنا بما في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وآثار العلماء، فإذا فعلنا هذا أمِنَّا دوام العلم وعدم زواله، فما إن يرحل فوج من العلماء يأتي من بعدهم فوج من الشباب وقد تعلّموا وأخذوا هذه الأمانة منهم، فنأمنُ إذًا ذهاب العلم مادام التعلُّم موجودًا، لكن إن انقطع التعلُّم فمعنى ذلك أنه ذهب العلم -علم الدين خاصة-، فيبقى الناس في جهالة وضلال، ويعيشون في فوضى، ولا خير فيهم بعد ذهاب العلماء.

والمقصود بـ"العلم": (الألف واللام للعهد) العلم المعروف الذي جاءت به الرسل والكتب، وهو المقصود في الحديث الذي بيّنه - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «العلمُ آيةٌ مُحكَمَةٌ أو سُنةٌ قائمةٌ أو فريضةٌ عادلةٌ وما سِوَى ذلك فهو فَضلٌ»، وهذا هو العلم الذي أمرنا بتعلّمه والإسراع في تلقّيه ممن يعلمه قبل أن يذهبوا، وقد نُبِّهنا إلى أنّهم سيذهبون كما ذهب كلّ الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (الأنبياء: 34، 35)،

وهذا هو المقصود بالأمر، وذهاب العلماء هو موتهم.

وقد تقدَّم لنا هذا الموضوع في حديث «ذلك أوانُ ينسخ القرآن فقال أعرابي: وكيف يُنسخ القرآن يا رسول الله، فقال: يذهب بأهله ويبقى رجال كأنَّهم البغاثُ»(1)، والبغاثُ كما فسَّره الربيع بن حبيب: هم أرذلة الطير، فلا داعي للإعادة، فلننتقل إلى الحديث الذي يليه.

ما جاء من قوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ»

(1) ينظر: الجزء الأول من هذا الكتاب.

٧١ / ٢٠٨