في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٥

ولكن الله تعالى قال بأن كل هذه الأموال والأنعام والنساء والبنين إنما هي متاع الحياة الدنيا فقط، فكلُّها تؤول إلى الزوال؛ ولكن حسابها يكون بعد ذلك عند الله تعالى، وقَلَّ من ينجو من هذا الحساب، ثم قال تعالى بعدها: ﴿وَاللهُ عِندَهُ، حُسْنُ الْمَئَابِ﴾، وخير ما يعطى للإنسان هو المآب الحسن يوم القيامة، والخير الحسن، والعاقبة الحسنة يوم القيامة بماذا تُنال؟ قد تنال بهذه النعم الدنيوية، ولكن شرط أن يتفقَّه صاحبها في الدين، وأما إذا فارقها الفقهُ في الدين فستصير كلّها نقما وأشياء تضرّ ولا تنفع، وتذهبُ ولا تبقَى، وهي فتنة على صاحبها.

فخير ما يُعطَى للإنسان إذن هو الفقه في الدين، فإذا فقه في الدين فلم يضره مال ولا جاه ولا سلطان، بل إنَّ كلَّ ذلك سيسخِّره في الطاعات؛ يُسخّر

صحة بدنه في الطاعة، ويسخّر نفوذ سلطانه في إقامة الحق ﴿الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فيِ الاَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (الحج: 41)، فيكون ذلك السلطان نعمة له، وقد قيل: "يومٌ مع سلطان عادلٍ خير من أن تمطر الأرض أربعين خريفًا"(1).

إذن هذا يبين لنا صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا نشك في صدقه، وإنما نريد أن نبيِّن أن خير ما يعطيه الله للعبد هو الفقه في الدين الذي به يسعد في الدنيا سعادة أبدية، وربما ذلك الفقير المتفقّه في الدين يرزقه الله من حيث لا يحتسب فيعيش معيشة طيبة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ، حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ تأكيدان -تأكيد باللام من قبل وتأكيد بالنون المشددة من بعد-، وكأنه قسم.

(1) ينظر: ابن منظور، بلفظ: (قال عمرو بن العاص لعبد الله ابنه: يا بنيّ، سلطان عادل خير من مطر وابل)، مختصر تاريخ دمشق، باب عمرو بن العاص بن وائل، 6/ 130.

٧٥ / ٢٠٨