في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٦

ثم قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمُو أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97)، فمن يعمل صالحًا إذن فسيُحيِيه الله حياة طيبة، ويكفي للعبد أن يصف الله له هذه الحياة بأنها طيبة، فلا يضرُّه فيها مرض ولا صحة ولا فقر ولا غنى، حتى ولو كان طول عمره مريضًا معلولاً، ولكنه يشعر بأنه يحيا حياة طيِّبة، يذكر الله تعالى

ويرجو فضله وعفوه، وبذلك يجزيه الله بصبره على مرضه درجات ودرجات في الجنة؛ حيث إنه قد لا يبلغها بصلاته ولا صيامه، وهذا أجر الصبر على البلاء.

وعلينا ألا نفهم أنَّ الحياة الطيبة هي العيش في بحبوحة من المال والجمال والمتعة، بل الحياة الطيبة هي أن يُفيض الله تعالى على قلبه رضا وطمأنينة وحسن رجاء فيه تعالى، وأن يحفَّه بألطاف ﴿وَمَنْ يَّتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 02، 03)، فبعد هذه الحياة الطيّبة في الدنيا قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمُو أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97)، من هذا نستفيد أن الله تعالى يغفر لهم أسوأ ما عملوا، ويجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون.

بخلاف الذي أعرض عن ذكر الله ولم يتفقَّه في الدين ﴿وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: 124)، إذن هذا الحديث نجد معانيه في آيات كثيرة من القرآن الكريم، وهذا الفقه -إذا آمنا بأنه خير ما يعطيه الله لعبده- فسنسعى في تحصيله، وذلك لأنَّ منه ما هو موهوب ومنه ما هو مكسوب.

فالأول أنَّ الله تعالى قد يُفيض على عبده أنواعًا من العلم ومن الانشراح في الصدر للعلم لمن يريد به الخير، ولكن هذا لا يكفي بأن تبقى قابعًا تنتظر نزول العلم مثل سيدنا الخضر؛ وإنَّما إذا فتح الله صدر المسلم لاكتساب العلم

٧٦ / ٢٠٨