في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٧فعليه أن يجتهد في الاستزادة والاكتساب منه الشيء الكثير، وينشط في طلبه في كل مكان، ويفتح له أذن رأسه وأذن قلبه معًا حتى يكون ذلك العلم مكسوبًا، «ليس منَّا من يقول بأنَّ علم الدين يؤخذُ من غير تعلُّم»(1)، فهذا مذكور في شرح العقيدة، بأنه خاص بالأنبياء والرسل، فلابدَّ بالتعلُّم، والسعي في التفقًّه والتعلُّم شيئا فشيئًا حتى يفتح الله عليه فيصير فقيهًا.
ولكن شرط تفقيه الله له في الدين ومدَّه من حكمته أن يكون ذلك العلم مقرونًا بالتقوى، فإذا كان طلب العلم مصحوبًا بالتقوى حصل معه الفقه، وأمَّا إذا لم يكن كذلك فربما سيُحصِّل العلم، ولكن لن يحصِّل الفقه، والله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 282)، فمن اتقى الله فتح له أبواب علمه الواسعة.
إذن عليك أن تأتي بالأسباب فحسب، تفتح رأسك وقلبك أمام العلماء لتتلقى منهم العلم، كما قال سيدنا لقمان لابنه: "يا بُنيَّ زاحم العلماء بركبتيك، وأنصت إليهم بأذنيك، فإنَّ القلوب تحيا بنور العلم كما تحيى الأرض بمطر السماء"(2) أي: أنَّ طالب العلم إذا كان في مجلس ووجد فرجة إلى الأمام
فليتقدم وليزاحم بركبتيه، ولا يقولنَّ أحد منَّا أجلس في أي مكان كان، لأنَّ المتقدمين إلى الأمام دائمًا يحصلون على الفهم أكثر، وأمَّا المتأخرون إلى الوراء فربما تفوتُهم كلمة أو نقطة بُني عليها الدرس كلُّه.
(1) ينظر، القطب أطفيش، شرح عقيدة التوحيد، ص: 582.
(2) أورده الإمام مالك في الموطأ، بلفظ: «حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ أَوْصَى ابْنَهُ فَقَالَ: «يَا بُنَيَّ جَالِسْ الْعُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ كَمَا يُحْيِي اللَّهُ الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ السَّمَاءِ». كتاب الجامع، باب ما جاء في طلب العلم 2/ 2002.