في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٢

فإذا أُعطي إنسان شيئًا من الخيرات التي يطمح إليها الناس عادة، من حسنات الدنيا أو الآخرة عطاء من الله فلا يمكن أن يمنعه أي شخص مهما قويَ أو مهما قووا - إن كانوا أشخاصًا مجتمعين-، لا يمكن أن يمنعوه الشيء الذي أعطاه الله تعالى إياه.

ولا معطي لما منعه الله:

وكذلك لا يمكن أن يعطوهُ الشيءَ الذي منعه الله إيّاه، فإذا لم يكتب الله تعالى لعبده شيئاً فلا يأتي أي مخلوقٍ فيعطيهِ له مُحادَّةً لله تعالى -حاشاه- فلا يمكن ذلك، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنم بَعْدِهِ﴾ (فاطر:02) هذه الآيات جاءت في هذا المعنى.

أولاً يجب أن نؤمن بهذا، وأن نملأ قلوبنا بهذا الاعتقاد بأنَّ المعطي الحقيقي هو الله تعالى، وما العباد إلاَّ مُسخَّرون لذلك، فإذا جاءتك العطيَّة على أيدي العباد، فلا

تقل إنَّ العباد هم الذين أعطوني في الحقيقة، وإنما أعطاك الله على يد عباده أو على يد من يشاء، إمَّا من العباد أو السماء أو الأرض أو على يد من يريد، فلا بد من الاعتقاد والإيمان بهذا، وإن كان هذا لا يمنعنا من شكر العباد ممن جاءتنا على يده العطية، فنشكر الله تعالى ونشكر من جاءتنا هذه النعم على يديه، لأنَّ اعتقادنا لا يعني أننا نؤمن بأنَّ الذي أعطانا هو ذلك العبد، وإنّما أجرى الله الخيرَ على يديه فله الحق في الشكر إذن هو الآخر، مثلما أجرى الله تبارك وتعالى مسؤولية تربية الأولاد وكسوتهم وتغذيتهم ومعالجتهم على يد الوالدين، فقال: ﴿أَنُ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (لقمان:14)، فكلَّفنا أن نشكر لله وأن نشكر لوالدينا ولمن جاءتنا نعمة التربية منه أو على أيديهم، فأصل هذا إذن موجود في القرآن، بأن نشكرَ لله وأن نشكر للعباد الذين جاءتنا النعمة أو العطيَّة على أيديهم، هذا دليل من القرآن الكريم.

٨٢ / ٢٠٨