في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٤

عندما يتمنَّى أحدُنا خيرًا فقصده وجعله هدفه سواء من طريقه أو من غير طريقه، ولكنه لم يصل إلى ذلك الخير، فسنحسب أنَّ الناس هم السبب في صدّه عن ذلك الخير، ولكنه غير ذلك بل الله كتب أن لا تصل إليه، لأن الظاهر يوهمنا أنه قد منعه شخص أو آخر، أو أراد أن يعطيه شخص ولكنه ضاع

أو سُرِق أو سقط منه، فهنا يجب أن نعلم أن هذا المنع في الحقيقة ليس من ذلك الشخص؛ وإنما من الله تبارك وتعالى حتى ننقص ونقلّل من لومنا للناس كثيرا، وكثير منا يغفل عن مسبِّب الأسباب، ويجعلون لومهم أو فرحهم للأسباب وينسون مسبب الأسباب، فينشأ من هذا الجزع والفرح؛ حيث إذا جاءتهم الدنيا خضرة ميسورة على أيدي العباد يفرحون بهؤلاء العباد أو يسخطون على العباد الذين لم يأتوهم بما يرغبون.

فائدة الحديث:

إن كثيرا من الناس يصدُّهم عن الحقِّ الطمعُ في العباد والخوف منهم، ويجعلهم يقتحمون الباطل؛ إذ يتملّقون ويُداهِنون من كانت عليهم نعمة، ويخافون إن هم نصحوهم أو أمروهم بالمعروف أو نهوهم عن المنكر فيقطعون عنهم ذلك العطاء الذي يأتيهم من قِبلِهم، ونسوا أنَّ المنعمَ الحقيقي عليهم هو الله تعالى، بل وأحيانًا يركَنُون معهم إلى ظلمهم، حفاظًا على الخير الذي يُنفق عليهم من المال والجاه، أو الأوسمة أو الرتب أو الوظائف أو غيرها من الأشياء التي من هذا القبيل.

لماذا كلُّ هذا؟ لأنهم لم يؤمنوا ولم يعتقدوا جازمين بأن كل هذه النعم لله تعالى ومنه، فإذا علمنا واعتقدنا أن لا مانع لما أعطى الله فسنعتصم به ونتوكل عليه ولا نتوكل على أحد سواه، وإذا اعتقدنا بأن لا معطي لما منع الله، سألنا

٨٤ / ٢٠٨