في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٥الله أن يعطينا من فضله، وأمَّا العباد فعلينا أن نعاملهم بما يجب أن نعاملهم به، وهو أن نأمر بالمعروف ولا نخاف انقطاع العطاء، وننهى عن المنكر ولا نخاف الإصابة بالأضرار، فيكون حبنا لله وبغضنا لله وعطاؤنا لله وأمرنا ونهينا لله تبارك وتعالى، ولا يهمُّنا بعدها أمر العباد ولا محاسبتهم إيانا في هذه المعتقدات.
ومن باب شكر المنعمين علينا فإنَّ من الخطأ ألا نشكر هذا الفضل ولا نستكثر خيره ولا ندعو له بالخير، قائلين بأن الخير من الله، وإنما هو واسطة فقط؛ فلا يمكن هذا، وهو خطأ عظيم يخالف معنى الآية الكريمة السابقة الذكر في موضوع الوالدين ويخالف الحديث الشريف، «من لا يشكر الناس لا يشكر الله».
ثم قال: «ولا ينفع ذا الجَدّ منه الجَدُّ»، الجَدُّ بفتح الجيم: يُطلق على الجد أو أب الأب، ويطلق أيضا على السلطان لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا﴾ (الجن: 3)؛ أي: تعالى سلطان ربنا، وهو من قبيل ما نقوله في الصلاة في التوجيه: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدُّك» أي: تعالى سلطانك يا رب، وليس المقصود بأب الأب هنا.
وإنما في هذا الحديث لا يقصد هذا ولا ذاك، وإنما يقصد به معنى ثالث؛ وهو الحَظ أو كما يعبر به "الزهَرْ"؛ فهذا فلان ذو حظ، أو فلان محظوظ وإلى غير ذلك، فهذا هو الجَدُّ، والمقصود به في هذا الحديث أنَّ صاحب الجَدِّ أو الحَظّ لا ينفعه حظه عند الله تعالى يوم القيامة، فالحظ قد يؤول إلى أحد في هذهِ الدنيا
ولكنه في الآخرة غير ذلك، فمثلاً إذا قام أحدهم بجمع بعض أشياء بسيطة ثم باعها في السوق فكان منه ربح وفير، على حسب حظه، أو ذهب لشراء شيء كان ذا ثمن غال، فلما وصل السوق خُفِّض ثمنه، أو تحصَّل على تركة من قريب منه، فكل هذهِ الأشياء يراها الناس من باب الحظِّ الوفير.