في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩٣هذا الحديث في فضل كتابة العلم، لأنَّ العلم لا يدرك إلا َّ بالقراءة والكتابة، ولذلك كان أول الآيات نزولا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ خَلَقَ الاِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَكْرَم الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الاِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق:01 ـ 05) وفي قوله تعالى: ﴿نُ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم: 01). أقسم الله تعالى في هذه الآية بالقلم والكتابة لشرف القلم والكتابة عنده، وللكتابة فضلٌ كبير في تناقل العلم من الأوائل إلى الأواخر، ولولا الكاتبة لما أدرك الأواخر علوم الأوائل، فلو كان بالإخبار فقط فسيخطئ الناس كثيرًا وينسون كثيرًا، وعليه فلا يصل العلم ولا ينتشر أبدًا أو يصل إلى الناس محرفاً مزورًا. لأن الكتابة هي التي تحفظ لنا هذه العلوم، منذ آلاف السنين وذلك بأن يأتي الأواخر فيقرؤون كتابات الأوائل.
وهذه الكتابة أنواع؛ إمَّا نقشا ونحتاً في صخور أو في معادن، أو كتابة في رق الغزال أو في الأوراق ثم مؤخرا في الأشرطة وإلى غيرها من الأشياء، المهم أنَّ الكتابة هي أصل نقل العلوم أو الاحتفاظ بها من صاحبها لنفسه، لأن طالب العلم إذا لم يقيّد علومه بالكتابة تضيع منه لا محالة، ومجرد الكتابة في ورق أو رقٍّ يرسّخ العلوم في ذهن صاحبها، لأنَّ الكتابة لها فضل على الذهن، فأنت عندما تكتب في أي مكان، فكأنك تكتب في ذاكرتك، ولذلك قيل: "أكتب الحكمة ولو على الحائط" فوقت كتابتك على الحائط إنما تكتبها في ذهنك، ولكن كتابة الحائط قد تنمحي، وأمَّا كتابة الذهن فلا تنمحي أبدًا.