محاورات الظافر وسعد الحميد حول مسند الربيع ج1
الجزء ١ · صفحة ١٣٢فلما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى ذلك ، ولم يلهموا هذا الشرف -شرف الإسناد-، وفاتهم الأوان ، اضطروا لإحداث ضوابط هي غاية ما يستطيعون ، ومنها : التواتر ، والمقاييس العقلية لنقد الأقوال والأخبار . وقد أغنى الله الأمة المحمدية بالإسناد ، مع مراعاة الضوابط الأخرى ؛ كنقد المتون وغيرها مما لا مجال لذكره هنا ، وإنما أشرت إليه كتوطئة بين يدي الكلام على توثيق الكتب المصنفة؛ إذ هو فرع عن التثبت في الحديث، ولذلك قيل: " الأسانيد أنساب الكتب "، ولأهل العلم طرائق في توثيق الكتب ، وإثبات صحة نسبتها لمصنفيها ، وصيانتها من الدَّخَل ، حتى لا يظن ظان أن من السهولة بمكان أن تخرج علينا بين فينة وأخرى كتب يزعم أصحابها ومن وراءهم أنها من مصادر السنة . وتاريخ الإسلام مليء بذكر الطوائف والفرق وأهل الأهواء الذين اتبعوا السبل فتفرقوا عن سبيل الله، ولكل منها نحلة ، وهدف . فمنهم من غلا في حب أهل البيت ، ومنهم من غلا ببغضهم ، ومنهم من غلا في حب بني أمية ، ومنهم من غلا في بغضهم ، ومنهم من فُتن بالنَّيْل من بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ما وقع بينهم من فتن ، وكأنهم يرون أن من شروط الصحبة : العصمة ، فلا تقع من صحابي معصية ، فضلاً عن أن يكون ذلك بتأويل ، وغفل عن قول الله تعالى :﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ﴾، فوصف كلا الطائفتين بالإيمان مع اقتتالهما . ومن أهل الأهواء من أفرط في مسائل الإيمان فكفّر أصحاب الكبائر ، ومنهم من فرّط فقال: لا تضرّ مع الإيمان معصية ، ومنهم من غلا في نفي القدر ، ومنهم من غلا في إثباته ، وسبيل أهل السنة وسط في ذلك كله ، بين الغالي والجافي .