محاورات الظافر وسعد الحميد حول مسند الربيع (الجزء 1) الظافر بنصر الله

محاورات الظافر وسعد الحميد حول مسند الربيع ج1

الجزء ١ · صفحة ١٤١

فهذا حال الأئمة مع الكتب في القرون الثلاثة الأولى تقريبًا ، حين كان بعضهم يعتمد في حفظه على ما في كتابه .

أما في القرن الرابع فما بعده ، فإن السُّنة أصبحت مدونة في كتب وأجزاء حديثية ، وكان المحدثون يتنافسون في رواية هذه الكتب والأجزاء بأسانيد عالية لأنفسهم ، مع كون غيرهم يرويها أيضًا . وللحديث شهوة ، فإذا كان عند المحدِّث شيء يرويه بإسناد فيه علو ، أقبل الناس عليه من كل حدب وصوب للظفر بروايته عنه ، فيحصل لذلك المحدِّث من الفخر على أقرانه ما يجعل بعض ضعاف النفوس يعمد إلى الكذب ، فيدخل نفسه في سماعات بعض الكتب ، أو ينسخ كتابًا ويدعي روايته عن شيخ متقدم ، ويعمد إلى عرضه على النار ، أو وضعه في التراب أو الزيت ؛ ليخفي الكشط فيه ويوهم أنه قديم ، حذرًا من كشف المحدثين له إذا وجدوا الكتاب بخط طريّ كما في بعض الحكايات السابقة .

وإليك بعض الوقائع التي تدل على طريقة المحدثين في كشف ما يقع من ذلك وشبهه :

ففي ترجمة إبراهيم بن الفضل الأصبهاني من "لسان الميزان" (1/181-182) نقل الحافظ ابن حجر عن ابن طاهر المقدسي قوله عن إبراهيم هذا :« وكان يكذب لنفسه ولغيره في الإجازات ؛ كان له جزء استدعى إجازت ، كل حين يلحق فيه أسماء أقوام من أهل الثروة ، ويكتب لهم عن أولئك المشايخ أحاديث تقرأ عليهم ويشحذهم بها . فقال لي أبو محمد السمرقندي : قد عزمت على أن آخذ منه الجزء ولا أردّه إليه ، ففعل ذلك ، فوجدته ألحق على الهوامش أسماء جماعة لم يكن لهم ذكر في صدر الاستدعاء ، فحبسه السمرقندي ولم يردّه إليه)).

١٤١ / ٢٣٨