محاورات الظافر وسعد الحميد حول مسند الربيع ج1
الجزء ١ · صفحة ٦٧الأمر الثاني : نقل البوسعيدي أيضًا (ص 12) عن الدرجيني أنه ذكر في "الطبقات" (2/246) أن واصل بن عطاء - إمام المعتزلة - كان يتمنى لقاء أبي عبيدة ويقول : لوقطعته قطعت الإباضية ، فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه ، إذ أقبل أبو عبيدة ومعه أصحابه ، فقيل لواصل : هذا أبو عبيدة في الطواف ، فقام إليه واصل فلقيه ، وقال : أنت أبو عبيدة ؟ قال : نعم ، قال : أنت الذي بلغني أنك تقول : إن الله يعذب على القدر ؟ فقال أبو عبيدة : ما هكذا قلت ، لكن قلت : إن الله يعذب على المقدور ، فقال أبو عبيدة : وأنت واصل بن عطاء ؟ قال : نعم ، قال : أنت الذي بلغني عنك أنك تقول: إن الله يُعصى بالاستكراه ؟ فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء ، ومضى أبو عبيدة، وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه ، يقولون: كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة فسألته فخرج، وسألك فلم تجب ، فقال واصل : ويحكم ! بنيت بناء منذ أربعين سنة ، فهدمه وأنا قائم ، فلم أقعد ولم أبرح مكاني » اهـ.
ومثل هذا الحِجاج للقدرية الحاجة ماسة لذكره في كتب العقائد ، بل وكتب المعتزلة أنفسهم ، فلماذا لم يذكر ؟ والحادثة تؤكد أن شهرة أبي عبيدة بلغت إلى حد أن يتمنى هذا المتكلم رأس المعتزلة لقاءه ، فهل بلغ الشحّ بالكتَّاب أن يبخلوا على أبي عبيدة بقطرة من الحبر يذكرون فيها شيئًا من علمه وصفاته ؟!
الأمر الثالث : ذكرت في المقال الأول ذلك النقل الذي زعم القنوبي أنه أخذه عن "الكامل" لابن الأثير ، والحقيقة أنه أخذه عن "السير" للشماخي الإباضي (1/85)، والنقل يصور أن أبا عبيدة كان معروفًا عند الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور معرفة دفعته للقول عندما بلغه خبر موته :" وإنه قد مات ؟! " فرجّع ، وقال :" ذهب الإباضية".
فهل يمكن أن نتصور رجلاً يكون بهذه الشهرة ، وهذه المكانة ، ومع ذلك يهمل ذكره المؤرخون والمترجمون ؟