محاورات الظافر وسعد الحميد حول مسند الربيع ج2
الجزء ١ · صفحة ٢١هذا، وأشد انتباه القارئ إلى أن هذا الحديث لم يروه الشيخان، مع أنه أصرح ما رووه في الشفاعة لأهل الكبائر، ومن أقوى ما يستندون إليه، وأول ما يصدرون به حديثهم عن الشفاعة ..
وأيضا فقد اعترف ابن كثير بضعف كل طرق الحديث حيث يقول في تفسيره عند تفسيره الآية 31 من سورة النساء: ((إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)): " وقد روى ابن مردويه من طرق عن أنس وعن جابر مرفوعا (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، ولكن في إسناده من جميع طرقه ضعف إلا ما رواه عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخين … "
فكل الطرق ضعيفة عند ابن كثير وهي كذلك كما مر، وأحسن طرقه لديه ما رواه معمر عن ثابت عن أنس، وقد تبين ضعفها.
والعجب من ابن كثير حين يقول: " فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخين " فلا هو بالإسناد الصحيح، ولا هو على شرط الشيخين، كما مضى.
وإضافة إلى كل ذلك هناك رواية أخرى
سمعت القاضي [أبا عبد الله محمد بن سلامة] يحلف بالله ويقول: سمعت أبا العباس أحمد بن الحسين يحلف بالله ويقول: سمعت أبا الحسن أحمد بن عبد الرحمن بن برد يحلف بالله قال: سمعت ابن نفيس يحلف بالله لسمعت علي بن محمد بن إسماعيل يحلف بالله لسمع هدبة بن خالد يحلف بالله لسمع أبا جناب القصاب يحلف بالله لسمع زياد النميري يحلف بالله لسمع أنس بن مالك يحلف بالله لسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي.
فيه زياد بن عبد الله النميري البصري
جاء في تهذيب الكمال
قال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: ضعيف الحديث و قال عبد الله بن أحمد ابن الدورقى، عن يحيى بن معين: في حديثه ضعف.
و قال أبو حاتم: يكتب حديثه، و لا يحتج به.
و قال أبو عبيد الآجرى: سألت أبا داود عنه فضعفه.
و ذكره ابن حبان في كتاب " الثقات "، و قال: يخطئ و كان من العباد.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" 3/ 378:
و ذكره ابن حبان في " الضعفاء " أيضا، و قال: منكر الحديث، يروى عن أنس
أشياء لا تشبه حديث الثقات، تركه ابن معين. اهـ.
هذا، وعلى افتراض صحة رواية (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) فهي مؤولة عندنا بتأويلين:
أحدهما: ما ذكره الإمام الربيع عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر ما كنا نعدها على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من الكبائر.
الثاني: أنها لأهل الكبائر التائبين منها، (انظر المشارق صفحة 288).
على أن هذه الرواية على افتراض صحتها آحاد لا تثبت عقيدة ولا يقينا. يقول الرازي بعد ذكره رواية: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) في تفسير الآية 48 من سورة البقرة ج3 ص48: " واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر وحده ولكن بمجموع الأخبار الواردة في الشفاعة".
وسأتكلم لاحقا إن شاء الله تعالى عن الأخبار الأخرى وهي -على افتراض صحتها- لا تبلغ التواتر.