من معالم فكر ابن بركة.. كيف نتعامل مع السنة النبوية لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ١١- فهم قد نظروا إلى أن هذه الرواية على خلاف هذه الأصول القرآنية فلم يعولوا عليها في نظرهم.
أما ابن مسعود رضي الله عنه فلم يكن على علم بالرواية لما أصدر حكمه في القضية، ويبدو أنه عول على نظر آخر في المسألة، ولعله –كما يذكر ذلك بعض الفقهاء- كان يرى أن الموت كالدخول أخذاً من أحكام المرأة المعتدة.
وعلى كل حال فالمسألة مسألة رأي ينبغي أن يتفهم فيها: ظروف وملابسات وردود النص الملزم ودلالته، أما الإلزام فيها فلا يكون إلا من أولياء الأمر الذين عناهم المولى تبارك وتعالى بقوله: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) فإن حكمهم هو الذي يرفع الخلاف ويحسم النزاع بما يحقق مصلحة المسلمين وفق واقعهم الزماني والمكاني.
وابن بركة حين قال: (لذا تجب الأسانيد والبحث عن صحتها ثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب) يختلف اختلافاً جذرياً عن ما نقل عن أهل الحديث والأثر: (إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ خلاف قَوْلِي فَاعْمَلُوا بِالْحَدِيثِ وَاتْرُكُوا قَوْلِي، أَوْ قَالَ: فَهُوَ مَذْهَبِي).
فابن بركة يقولها بصريح العبارة: (ثم التنازع في تأويلها) فقد يصح الحديث سنداً ولا يكون نصاً في الموضوع، أو يكون من وقائع الأحوال التي لها ظروفها وملابساتها الخاصة، أو تقدم عليه دلالات أخرى كالاستقراء الكلي لمجموع النصوص، أو يلزم حالات معينة لا يتعداها، أو يتخلف الحكم بتخلف علته (فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب)، في حين أن أهل الحديث والأثر لا يعولون على شيء من ذلك في أغلب الأحيان.
ونختم هذا الباب بمناقشة بين أستاذ (=عبدالله بن عبدالعزيز) وتلميذه (=أبو غانم الخراساني) نقله لنا أبو غانم في مدونته (أقوال ابن عبد العزيز) ج3 ص11، دار الكتب المصرية (مرقونة)، وهذا الحوار يدور حول هذه المسألة، وننقل هذا الحوار على طوله لنفاسته العلمية:
((