القرآن وتأثيره في شقي المخ
الجزء ١ · صفحة ١٢٥«وتأويل الحديث أنّه مثل شبّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن بصنيعٍ صنعه الله - عز وجل - للناس، لهم فيه خيرٌ عميمٌ ومنافع لا تعدّ ولا تحصى، ثمّ دعاهم إليه، والمأدبة هي ما يصنعه الإنسان فيدعو إليه».
ونحن نقول إنّه مأدبة تغدّي العقل وتنشّطه وتدرّبه، وذلك كما تغدّي المأدبة الغذائيّة جسم الإنسان وتقوّيه وتنمّيه.
وقال المفسّر الشيخ [الطاهر بن عشور] في تفسيره [التحرير والتنوير].
«ومن أساليبه ﴿يقصد القرآن الكريم﴾ ما أسمّيه بالتفنّن(1)، وهو بداعة تنقّلاته من فنّ إلى فنّ بطرائق الإعتراض والتنظير والتذييل والإتيان بالمرادفات عند التكرير تجنّبا لثقل تكرير الكلم، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنّن عند بلغاء العربيّة فهو في القرآن كثيرٌ وكثيرٌ، ثمّ الرجوع إلى المقصود فيكون السامعون في نشاطٍ متجدّدٍ بسماعه وإقبالهم عليه».
ومن أبدع أمثلة ذلك قوله - عز وجل -:
- ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. … [البقرة ـ 17ـ 20]
إنّ أكثر أساليب القرآن الكريم من الأساليب البديعة، العزيز مثلها في شعر العرب وفي نثر بلغائهم من الخطباء والأدباء.
(1) وأنا أسمّيه بالتشعّبيّة التي هي من نشاطات الشقّ الأيسر.