القرآن وتأثيره في شقي المخ
الجزء ١ · صفحة ١٣٥ونجد في عدّة مواضع في القرآن الكريم أنّ الله - عز وجل - يذكر أحداث بعض القصص متتابعة، ولعلّه - سبحانه وتعالى - قد كرّر مثل ذلك عدّة مرّاتٍ، ليكون أدعى للحفظ الجيّد المركّز، وأن يجعل ذلك سبباً لربط مثل هذه الآيات الكريمة بعضها ببعض، ويعدّ الربط تقنيّة من التقنيّات التي يحفظ بها المخّ كثيراً من المعلومات برسوخ قويٍّ.
وقد اعتبر العلماء والفصحاء من أهل اللغة ومن البلغاء أنّ الترتيب في كثيرٍ وكثيرٍ من آيات كتاب الله - عز وجل -، وخاصّةً في ذكر أحداث القصص التي وردت فيه من روائع الفصاحة وبلاغة اللسان.
كما ذكروا مثلاً لذلك في قصّة سيّدنا نوح التي أورد فيها ربّنا - سبحانه وتعالى - الأحداث بترتيب بحسب التتابع الزمني التي وقعت عليه.
قال الله - عز وجل -:
- ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. … [هود ـ 44]
ويمكن أن نعدّ ذلك نوعاً من النظام في كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى -، والله - عز وجل - يعلم أنّ العقل يعمل بطريقةٍ أحسن وأفضل عندما يكون هناك نظام، ويعدّ النظام رقيٌّ، والتنظيم حضارةٌ.
وقد فطر الله - سبحانه وتعالى - قد هذا العقل على حبّ النظام، والعمل بنظام، والنموّ الجيّد إذا ما استخدمه صاحبه بنظام، فأنزل كتابه الكريم، ويسّر حفظه بما جعل فيه من نظامٍ رفيعٍ.
كما أنّ العقل يجد راحته في العمل بنظام، فهو مثل الذي يمشي في طريق مسطّرٍ معبّدٍ فيه لفتاتٌ كثيرةٌ في كلّ جوانبه، التي تجعل الذي يسير فيه لا يخطئ أبداً، وهو عندما يحسّ بالراحة والنظام في عمله، يعمل بأقصى قدراته التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - فيه.