القرآن وتأثيره في شقي المخ سليمان بن محمد موسلمال

القرآن وتأثيره في شقي المخ

الجزء ١ · صفحة ٣٨

لقد تأكّد في العصر الحديث بعد الدراسات الكثيرة والعميقة حول تخصّص كلّ شقٍّ من شقّي المخّ بأنّ النصف الأيمن للمخّ ليس هو المسؤول عن الجانب الإبداعي والتلقائي أو العاطفي، وأنّ الجانب الأيسر له ليس هو الجانب الأكاديمي، التي يختصّ بالرياضيّات والمنطق والكلمات، بل يجب أن نشغّل كلٍّ من الشقّين معاً، كي يتعاونا فيما بينهما لتحقيق النجاح الأكاديمي والإبداعي تحقيقاً متكاملاً.

وتوصّل خبراء الذاكرة إلى ذلك من خلال دراسة حياة العباقرة والناجحين عبر التاريخ، حيث وجدوا أنّ جميع هؤلاء العباقرة يمزجون بين مهاراتهم الرقميّة والتحليليّة مع التخيّل والتصوّر لكي ينتجوا إبداعاتهم المبتكرة.

وربّنا - سبحانه وتعالى - لمّا خلق المخّ، وفطر كلّ من الشقّين على هذه المهارات، وهو يعلم أنّه يجب أن تتوفّر له مثل هذه النشاطات، التي تنشّط شقّي المخّ معاً، أنزل هذا القرآن الكريم، وهو يشتمل على كلّ هذه النشاطات التي تؤثّر في الشقّين معاً، كي يوّفر له نشاطهما وقوّة أدائهما، وأنزل فيه مختلف المواضيع التي لا تعدّ ولا تحصى، والتي يجد فيها كلٌّ من شقّي المخّ بغيته، فينتقل من نشاطٍ إلى نشاطٍ في سورةٍ واحدةٍ، بما تحتويه من مواضيع متنوّعةٍ.

والقرآن الكريم بتعدّد مواضيعه، وتفنّن أساليبه يجعل شقّي مخّ قارئه ومتدبّره يدخلان في حوارٍ مباشرٍ ومستمرٍّ مع بعضهما، كلّما قرأه وتدبّره بنفسٍ خاشعةٍ، وقلبٍ حاضرٍ، حيث يتلقّى أحد الجانبين المعلومة، ثمّ يرسلها إلى الجانب الآخر الذي يعالجها بطريقته الخاصّة به، ثمّ يرسلها مرّةً أخرى إلى الجانب الآخر، وهكذا، وبهذه الطريقة يصبح المخّ يعمل بقوّةٍ واستمرارٍ.

وأسلوب القرآن الكريم بتنوّعه يعزّز عمليّات شقّي المخّ، ويضيف إلى ذلك قوّة الاستيعاب، لأنّ الفكرة تقوى عن طريق تجميع العناصر المختلفة فيها.

٣٨ / ١٤٩