القرآن وتأثيره في شقي المخ
الجزء ١ · صفحة ٤١وإذا كان كذلك، فنستطيع أن نشبّه القرآن الكريم بالبحر الذي يمكن أن تسبح فيه عضلات شقّي المخّ، فيضمن لها التمارين الفكريّة المختلفة اللازمة لتنميّتها وتطوّرها وتقويّتها، حتّى تصبح قادرةً على أداء دورها أداءً متكاملاً في وسط المجموعة، وخاصّةً تلك النشاطات التي يختصّ بها كلٌّ من شقّي المخّ.
فالقرآن بحرٌ واسعٌ، أساليبه متعدّدةٌ كثيرةٌ، تستطيع عضلات شقّي المخّ أن تسبح فيه بكلّ راحةٍ وطمأنينةٍ، وبذلك يضمن لها جميع التمرينات اللازمة لتدريبها وتنشيطها.
ولكنّ الشيء المؤسف له أنّ أغلبيّة المسلمين يقرؤونه بنفسٍ منشغلةٍ غافلةٍ، وبقلبٍ منشغلٍ بزخارف الحياة الدنيا، ولا يتعمّقون فيه إلى الأعماق، بل يتعاملون معه سطحيّاً فقط، ولا يربطون أفكارهم وعواطفهم بالروح والنور المقدّس الذي أنزله إليهم ربّهم - عز وجل -، كي يطلقون القوّة الهائلة الكامنة داخل خلايا شقّي المخّ.
والقرآن الكريم قد أصبح حاضراً بين المسلمين بمصاحفه وبحروفه وكلماته وقراءته، ولكن غائباً بأسلوبه وتأثيره في تفكيرهم، فهو موجودٌ بلفظه وحروفه، ولكنّه غائب بروحه ومعجزته المؤثّرة في خلايا شقّي المخّ تأثيراً إيجابيّاً حقيقيّاً.
يقول ﴿حسن البنا﴾:
«لم ينزل القرآن الكريم من علياء السماء على قلب محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ليكون تميمةً يحتجب بها، أو أوراداً تُقرأ على المقابر وفي المآتم، أو ليكتب في السطور، ويحفظ في الصدور، أو ليحمل أوراقاً، وإنّما ليهديَ البشريّة إلى السعادة والخير والتفكير القويّ المتين».
- ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. … [المائدة ـ 15ـ16]