القرآن وتأثيره في شقي المخ سليمان بن محمد موسلمال

القرآن وتأثيره في شقي المخ

الجزء ١ · صفحة ٤٨

فلكي نفهم جيّداً هذه الحالة، نستطيع أن نضرب لذلك مثالاً من الواقع، فمثلاً والدٌ له ابنان يبعثهما لقضاء بعض الحوائج والأعمال، فأحدهما حريصً، كلّما ذهب لمصلحةٍ ما، يقضيها على أكمل وجهٍ، وفي وقتٍ قصيرٍ، ويرجع إلى أبيه بسرعةٍ وهو فرحٌ بقضاء ذلك العمل، أمّا الآخر فعندما يبعثه والده في مهمّةٍ يتهاون شيئاً ما، ولا يقضيها إلاّ بعد وقتٍ طويلٍ، وعندما يرجع يجد والده قلقاٍ لطول غيابه، وربّما لا يقوم بذلك العمل على أحسن وجهٍ في بعض الحالات، وبعد مدّةٍ يقلق والده، فيعفيه عن العمل، فلا يبعثه إلى قضاء مثل تلك المصالح، بل يعتمد على الولد الحريص والخفيف والسريع، فيصبح أخوه الآخر في طيّ النسيان، ويصير كأنّه غير موجودٍ في البيت، وبعد مدّةٍ من الزمن، يصبح غير صالحٍ لقضاء أيّة مصلحةٍ، أو أداء أيّ عملٍ.

وهكذا جانبي المخّ تماماً مثل هذين الولدين، فعلينا أن ننشّطهما معاً، حتّى يصبحا قادرين على العمل بصفةٍ متوازنةٍ متعادلةٍ، ولا يفقد أحدهما قوّته في العمل والأداء.

وقد جعل الله - عز وجل - أسلوب كتابه الكريم متناسقاً ومتوازناً، يشمل كلّ أنواع الأساليب التي تستعمل في التعبير، فكلّما بحثنا في موضوعٍ من مواضيعه، وجدنا عجباً، ووجدنا تناسقاً وتوازناً في كلّ موضوعاته، الموضوعات المتشابهة، أو المتناقضة، أو المترابطة، فأسلوبه يعدّ معجزةً من المعجزات.

ويتحدّث ﴿الباقلاّني﴾ عن نظم القرآن الكريم، فيقول:

«إنه مخالفٌ للمألوف من كلام العرب، وله أسلوبٌ يتميّز به، يباين أساليبهم في الكلام الموزون والمنثور بضربيه من السجع والترسّل، وهو أسلوبٌ فريدٌ، تطّرد فيه البلاغة اطّراداً يشمل جميع آياته دون أيّ تفاوت، بخلاف أسلوب الشعراء فيقصّرون في بعض الموضوعات، ويحسنون في أخرى».

أسلوب القرآن يلبّي نشاطات الشقّين

٤٨ / ١٤٩