القرآن وتأثيره في شقي المخ
الجزء ١ · صفحة ٤٩منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، والعقل البشري يبحث ويفحص مواضيع كتاب الله - سبحانه وتعالى -، ويدرسها، علّه يقف على بعض ما فيه من أسرارٍ، ومن ناحيةٍ ثانيةٍ يدرسه أعداء الإسلام بنفس ذلك الجهاز، لعلّهم يجدون فيه ما يشوّهه، ليطعنوا فيه، وينقصوا من قيمته.
وهم قد درسوه بهدفٍ واحدٍ، وهو من أجل أن يصبحوا نوابغ في اللغة العربيّة، ويسيطروا على هذه اللغة، وذلك من أجل ما أنزل الله - عز وجل - فيه من أسلوبٍ قويٍّ معجزٍ، يدفع القوى الفكريّة إلى التحرّك والنموّ والتطوّر.
قاعدة
أسلوب القرآن الكريم البليغ يجعل الإنسان ينسجم مع نفسه
لقد درس العلماء والأدباء والبلغاء القرآن الكريم، فأدهشهم ما في أسلوبه، نظمه، تراكيبه، فواصله، إشاراته، بيانه، بل حتّى اسمه الذي سمّاه الله - سبحانه وتعالى - به، فهو لفظٌ لم يستعمل فيما قبل، وما سمّي به أيّ كلامٍ، أو تعبيرٍ قبله، ولم يطلق على تعبيرٍ بعده، إنّه كما قال العلماء لفظٌ جَمَعَ، فأوعى.
بل إنّ من إعجازه أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في كلّ آيةٍ عدّة ألوانٍ من البلاغة والبيان، بل ما يفوق كلماتها في بعض الأحيان، فساقوا مثلاً لذلك الآية الشريفة:
- ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. [هود ـ 44]
فهذه الآية الكريمة تتركّب من سبعة عشر كلمة، ولكنّ العلماء وصلوا إلى استخراج عشرين لوناً من ألوان البلاغة منها:
المناسبة في لفظي أقلعي وابلعي، والمجاز في يا سماء، والمطابقة اللفظيّة في كلمتي السماء والأرض، والإشارة في وغيض الماء، والإرداف في واستوت على الجدي، والترتيب بحسب التتابع الزمني، والعطف لبيان هذا الترتيب والإيجاز.
وقد قال المفسّرون بأنّ هذه الكلمات السبعة عشر تضمّنت وقائع عديدةً، وقصّةً طويلةً، استمرّت وقائعها أيّاماً كثيرةً.