القرآن وتأثيره في شقي المخ
الجزء ١ · صفحة ٥٣وكلّ شيءٍ يقوم به الإنسان في حياته وكلّ تصرّفٍ يتصرّف به يكون ناتجاً عن الصور التي وضعها في عقله، وبغضّ النظر عن ظروف الحياة، فهو الذي يكتب ويخرج وينتج تلك الصور العقليّة، لأنّ الظروف لن تحدّد ما ستكون عليه حياته، ولكنّها تكشف فقط عن نوعيّة الصور التي اختزنها، ولذلك فعلى كلّ إنسان يداوم على تلاوة قرآن ربّه - عز وجل - فسوف يكوّن لنفسه صوراً يستطيع أن يعيش بها بكلّ طمأنينةٍ وراحةٍ، مهما كانت الظروف التي تحيط به.
والقرآن الكريم يكوّّن في نفس المحافظ عليه التصوّرات التي يستطيع أن يحيا بها حياةً متوازنةً، مهما كانت الظروف التي يوجد فيها.
فلن يتولّد لدى النفس أيّ إحساسٍ دون أن تكون لديها فكرةٌ تسبق ذلك الإحساس، وكلّ سلوكٍ يعتمد على الأحاسيس التي تعتمد أساساً على الأفكار.
ومثل نفس الإنسان مثل وعاءٍ يعبّأ من أعلاه، وله صنبورٌ يخرج منه المادّة التي ملئ بها الوعاء، فلا يوجد عاقلٌ في هذا الكون، مهما كانت ثقافته يصدّق بأنّه يمكن أن يخرج من ذلك الوعاء مادّةٌ خلاف التي ملئ بها، فإن نحن عبّأناه ماءً، خرج منه ماءٌ، وإن نحن عبّأناه لبناً، أعطانا لبناً، وإن كان ليموناً، تحصّلنا على ليمونٍ، أو ماء زهرٍ، نجد ماء زهرٍ، وإن ملأناه ماءً آسناً، أعطانا ماءً آسناً.
فكلّ نفس إنسانٍ لها منهلٌ تنهل منه، ويخرج منها ما أخذته من ذلك المنهل، فإذا كانت الثقافة التي تحصّلت عليها ثقافةً غير عاليةٍ، فتخرج منها تلك الثقافة الساقطة، وإذا ملأتها بمادّةٍ عاليةٍ مثل ثقافة القرآن الكريم، وعبّأها من دقائق السنّة المطهّرة وأخبار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن بطولات الشرفاء، والعلم الشريف الذي يرقى بتلك النفس إلى أعلى درجات النجاح والتفوّق، فلن يخرج منها إلاّ الحكم والدرر، والحقائق العلميّة المتألّقة، والمواقف النبيلة، وهذا ما تذكره الحكمة:
«وكلّ إناءٍ بالذي فيه ينضح».