القرآن وتأثيره في شقي المخ
الجزء ١ · صفحة ٧٨وقد فطر الله - سبحانه وتعالى - الإنسان على الاحتياج إلى مساحةٍ مكانيّةٍ يسكنها، ويعيش فيها، وهو يحدّدها ويعرف موقعها وحدودها بواسطة الجانب الأيمن للمخّ، والشيء المعجز هو أن ذلك التفكير في البعد الجغرافي، أو المكاني كما يسمّيه البعض، يؤثّر إمّا إيجابيّاً، أو سلبيّاً على نفس الإنسان.
فالإنسان يصبح أسيراً لإيحاءات تلك الحدود التي يفكّر فيها، وتؤثّر في أخلاقه ومشاعره، لأنّه يشعر كأنّه محدّد نفسانيّا بتلك الحدود التي يفكّر فيها.
والدليل على ذلك ما نجده من فرقٍ واسعٍ في التفكير بين إنسان يسافر كثيراً إلى مختلف أنحاء العالم، وبين آخر لا يغادر محيطه ربّما طول حياته.
والذكاء المكاني يعدّ قدرةٌ على رؤية العلاقات التي تربط بين مختلف الأمكنة، والفروق الموجودة بينها، وهو يحتاج إلى درجةٍ من التفاوض بنجاحٍ مع البيئة المحيطة والعالم من حول الإنسان.
والله - سبحانه وتعالى - قد فطر عقل الإنسان على مثل هذا التفكير، فأنزل في كتابه الكريم آياتٍ كثيرةً متنوّعةً يحرّر بها تفكيره من الحدود الضيّقة التي ستسيطر عليه، إذا هو لم يفكّر تفكيراً واسعاً.
وقد أورد الله - عز وجل - مثل هذه الآيات ليعين المسلمين الذين يداومون على تلاوة كتابه الكريم، ويتدبّرونه، على استخدام هذا الذكاء الذي وهبه لهم، فهو يرشدهم كي يفكّروا في سعة الأرض، عندما يقرؤون مثلاً آية سورة الملك:
- ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. … [الملك ـ 15]
يقول ﴿سيّد قطب﴾ في تفسيره، تحت ظلال القرآن:
«والمناكب: المرتفعات، أو الجوانب، وإذا أذن للإنسان بالمشي في مناكبها، فقد أذن له بالمشي في سهولها وبطاحها من باب أولى، فمتى أذن له في الشموس منها، فقد أذن له في الذلول «.
الشموس: الذي يكون عسراً.