القرآن وتأثيره في شقي المخ
الجزء ١ · صفحة ٩٢والقرآن الكريم بما يحتويه من خيالاتٍ عاليّة المعنى، مثل تلك الصور التي ساقها لنا ربّنا - سبحانه وتعالى - فيه، حيث يصوّر لنا مشاهد من الجنّة، ومشاهد من النار، عندما يقرأ القارئ تلك الآيات بترتيلٍ وبتدبّرٍ يتصوّر تلك المشاهد وكأنّه يراها ماثلةً أمام عينيه.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ … [محمّد ـ 15]
يقول "سيّد قطب" في تفسير هذه الآية:(1)
«إنّ هذه الصورة الحسّية من النعيم والعذاب ترد في مواضع من القرآن الكريم، وقد تجيء معها صورٌ معنويّةٌ، أو تجيء مجرّدةً، كما أنّ صور النعيم والعذاب المجرّدة عن الحسّيات تجيء في مواضع أخرى.
والله - عز وجل - الذي خلق البشر، هو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يؤثّر في قلوبهم، وما يصلح لتربيّتهم، ثمّ ما يصلح لنعيمهم ولعذابهم، والبشر صنوفٌ، والنفوس ألوانٌ، والطبائع شتّى، تلتقي كلّها في فطرة الإنسان، ثمّ تختلف وتتنوّع بحسب كلّ إنسانٍ، ومن ثمّ فصل الله - سبحانه وتعالى - ألوان النعيم والعذاب، وصنوف المتاع والآلام، وفق علمه المطلق بالعباد».
وإذا كان علماء التفسير ينظرون إلى هذه الآيات القرآنيّة التي تصف المشاهد الكثيرة والمتعدّدة من حيث التأثير النفسي، فنحن ننظر إليها من الجانب المخّي العقلي، وما خلق الله - سبحانه وتعالى - فيه من المهارات والنشاطات التي يعمل بها، لذلك أنزل له هذه المشاهد في كلامه الكريم، لينشّط بها خلايا مخّه، فيفكّر جيّداً، ويمرّن تلك الخلايا لكلٍّ من الشقّين، فتكون في أعلى قوّة من الأداء واستيعاب والتذكّر.
(1) تفسير: في ظلال القرآن، جزء: 6، ص: 3291.