بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٠ذلك لأنّ الذي يعمل لتحقيق هدفٍ دنيويٍّ، ولجلب منفعةٍ محدودةٍ، وتقاضي أجرٍ مقدّرٍ، فإنّه سيبذل مجهوداً بقدر ما سيتقاضاه من أجرةٍ.
أمّا إذا كان يعمل لتحقيق الأجر الأخروي، فسيبذل جهداً متواصلاً، وغير محدودٍ، ولا يحاسب نفسه بحسب الأجرة التي سيتقاضاها، فهو يعمل ليل نهار لكي يحقّق الأجر الأخروي، ولأنّ أجر الآخرة غير محدودٍ، وهذا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يرشدنا وينصحنا ويحثّنا على العمل في سبيل تحقيق الأهداف العاليّة الإيجابيّة، وأن لا نربط نتائج أعمالنا بما يوصلنا إلى الفشل، ويجعلنا نعرض عن القيام بأعمالٍ نافعةٍ والتي يسمّيها العلماء الذين يبحثون في العبقريّة بالفرامل التي توقف النفس الإنسانيّة عن السير والتقدّم إلى الدرجات العلى من النجاح.
فالأوّل يعمل لتحقيق هدفٍ محدودٍ، له نهايةٌ ينتهي إليها، أمّا الثاني فيعمل لتحقيق هدفٍ غير محدودٍ، غير متناهٍ، وهو دائمٌ أبد الآبدين، وهذا هو عين التربيّة وما يجب أن نبني عليه نفوس أولادنا، إذا أردنا أن يحقّقوا نجاحاً لا نهائيّاً، وغير محدود، وما دام الله - سبحانه وتعالى - قد جعل هذا العقل يفكّر تفكيراً غير محدودٍ، فنستطيع أن نبني له مثل هذه التصوّرات اللانهائيّة.
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ، فلا تقل لو أنّي فعلت كذا كان كذا، ولكن قل: قدّر الله، وما شاء الله فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان».(1)
وبالقرآن نبني مثل هذا التصوّر في العقل الباطن لدى الأولاد، فنكوّن فيهم نفوساً قويّةً، تبذل كلّ غالٍ ورخيصٍ في ترقيّة ذاتها وتثبيتها في مختلف نواحي الحياة بين الأمم الناجحة الأخرى، غير مباليّة بما تقدّمه من تضحيّاتٍ في سبيل تحقيق ذلك، لأنّها تتمنّى وترجو من وراء ذلك تحقيق سعادة الدنيا والآخرة ونيل الثواب والمكرمات، وتؤمن بقول ربّها:
(1) أخرجه مسلم.