بناء العبقري بالتربية القرآنية سليمان بن محمد موسلمال

بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٩

ومن دلائل قدرة الله - عز وجل - وقهره أنّه يؤلّف بين هذين الجوهرين المتنافرين، فالروح جوهرٌ سماويٌّ لطيفٌ نورانيٌّ خفيفٌ، والبدن جوهرٌ كثيفٌ مظلمٌ أرضيٌّ، وبينهما تنافرٌ عجيبٌ، ومع ذلك أسكن الله - سبحانه وتعالى - الروح في هذا الجسد الأرضي.

فالإنسان كائنٌ يجمع بين عنصرٌ سماويٌّ، وعنصرٌ أرضيٌّ، فإذا اتّبع وتمسّك بالنور السماوي الذي أنزله إليه خالقه - عز وجل - يرقى إلى الملكوت الأعلى، ولكن إذا مال إلى إشباع جانبه المظلم يزداد ظلاماً، ويخلد إلى الأرض ويعيش في ظلامٍ.

- ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ … [الأعراف ـ 175ـ176]

فالله - عز وجل - أنزل هذه المنظومة القرآنيّة لتحدّد للمؤمنين أهدافاً عاليّة يحاولون العمل بجدٍّ وحزمٍ للوصول إليها وتحقيقها، فلا يفوّتون أيّة فرصةٍ للعمل الصالح، ولا يجدون مناسبةً إلاّ واستغلّوها في طلب الثواب، وهذا هو الهدف الأسمى الذي يجب أن يعملوا من أجل تحقيقه، وبهذا يصلوا إلى الدرجات العليا في التفوّق والنجاح، بما يتقنونه من أعمال.

فهو يوفّر لهم راحةً نفسيّةً وفكريّةً، فلا قلق في النفس، ولا اضطراب في الفكر، بل سلامةٌ في القصد والعمل، واطمئنانٌ في القلب بما ينجزونه من أعمالٍ كبيرةٍ تقوى بها أمّتهم، وترتفع مكانتها بين الأمم الأخرى.

منظومةٌ لا تنفع صاحبها في دنياه فقط، بل توفّر له السبيل للنجاح والفلاح في الآخرة كذلك، وأظنّ أنّ الهدف الثاني إذا رسخ في نفوس الناشئة فنجاحهم سيكون مضاعفاً، وأفضل ممّا لو كانوا يعملون للدنيا فقط، لأنّ العمل للآخرة يحقّق إرادةً أكبر، ومجهوداً غير محدودٍ، ومثابرةً لا متناهيّة، ولماذا يا ترى؟

٩ / ٤٣٩