بناء العبقري بالتربية القرآنية سليمان بن محمد موسلمال

بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ١١٩

فلكي يباشر القرآن الكريم إصلاح النفوس، ويؤثّر في القلوب ويصلحها، فلا بدّ من وجود قوّةٍ روحيّةٍ تتولّد باستمرارٍ داخل نفوسنا، تحثّها على التعامل مع كتاب ربّها - سبحانه وتعالى - بكلّ صدقٍ وإخلاصٍ، وتضبط تصرّفاتها، وتدفعها إلى تطبيق التوصيات التي تقرؤها فيه، ويصل الانتباه فيها إلى درجة من الإيجابيّة والتلهّف للقيام بأيّ عملٍ يرضي الله - عز وجل -، فتتجاوب مشاعرها مع روح كتاب الله - عز وجل -، وتشعر وكأنّ شيئاً يدفعها من داخلها للتأثّر بتلك الآيات التي تقرؤها.

قال القرطبي: إذا استمع العبد إلى كتاب الله - سبحانه وتعالى - وسنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بنيّةٍ صادقةٍ على ما يحبّ الله - عز وجل -، أفهمه الله كما يحبّ، وجعل له نوراً في قلبه.

ينبغي أن لا نجعل هدفنا من القراءة تحصيل أكبر قدرٍ من الحسنات فقط، لأنّ ذلك يجعلنا لا نتفاعل مع القوّة الروحيّة التي أودعها منزّله - عز وجل - فيه، ولا يعود علينا بالتأثّر الذي يريده - سبحانه وتعالى - منّا، ويجب أن نتيقّن جيّداً بأنّ التفاعل الحقيقي مع آيات القرآن الكريم سيعود علينا بأضعافٍ مضاعفةٍ من حسنات القراءة السريعة التي لا تثمر فهماً ولا تأثّراً.

- ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ … [طه ـ 113]

فلكي نستطيع التركيز مع القرآن الكريم، واستدعاء التفاعل والتأثّر اللازمين، فلا بدّ أن يكون اللقاء معه لهدف الفهم والتدبّر، لا لهدف القراءة والحسنات، لقاءٌ يعيد للنفس توازنها، ويستثير فيها قدراتها وملكاتها، ويحافظ على قدر الإيمان الذي اكتسبته، مع الزيادة فيه بما تتأمّله من آياتٍ تدلّ على عظمة هذا الكون، الذي يدلّ على عظمة خالقه، ثمّ يزيد من ثقتها، ويثبّت القلب حتّى يستطيع مواجهة الفتن المتعدّدة التي تموج بها الحياة.

١١٩ / ٤٣٩