بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٢٩ولكنّ الكثير من الناس لا توجد لديهم تلك الصور العقليّة الحسّية، سواء أكانت بصريّةً، أو صوتيّةً، أو حركيّةً، فتفكيرهم بالألفاظ أكثر من الأشياء، وعندما يريدون استذكار واقعةٍ مضت، أو وضع خطّةٍ لشؤون يومهم، يستعرضون التفاصيل لفظيّاً في شبه كلامٍ داخليٍّ، ويشبه تفكيرهم المناجاة الصامتة، مثل الذين تأصّلت فيهم عادة المطالعة، فهم قد فقدوا القدرة على تأمّل الأشياء بصورة حسّية واضحة مفصّلة، وأصبحوا لا يستطيعون التفكير فيها إلاّ بأسمائها، وتشبه حياتهم الداخليّة حديثاً جاريّاً لا تخفّف من جريانه أيّة صورةٍ حيّةٍ.
الأمّ هي التي تبني ذلك في الولد:
إنّ الأمّ ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعالم الطفل وما فيه من شهواتٍ ومشاعر، وتلعب دوراً هامّاً في بناء تلك الخبرات، فهي أقرب الهيئات إليه، فهي التي تبني له طريقة تفكيره، وهي التي تكوّن له توجّهاته، وتعطيه الصبغة الوجدانيّة التي يسير بها في مختلف مراحل عمره.
وتلك السنوات الأولى من تربيّة الولد هي المرحلة المهمّة التي تتكوّن فيها أخطاءٌ في كيفيّة تفكيره، وبخاصّة تلك الانفعالات التي تبديها الأمّ أثناء تربيّتها له، فهذه الأمّ هي التي تكوّن اضطراباً في حياة الولد الوجدانيّة.
ويعتقد كثيرٌ من الخبراء بأنّ الكثير من عيوب أفراد المجتمع ومشكلاتهم الاجتماعيّة يرجع إلى تصرّفات الأمّهات اللاتي لا يفهمن كيفيّة معاملة أولادهنّ باعتبارهم سيصبحون أعضاء الهيئة الاجتماعيّة في المستقبل.
فعلى الأمّ أن تفهم جيّداً بأنّ الولد يولد مزوّداً بأجهزةٍ معيّنةٍ، كالجهاز العصبي الذي يدفعه إلى الاختلاط بالعالم، ويؤدّي به إلى استثارة الغرائز المتعدّدة التي يولد وهو مزوّد بها، وبها قابليّةٌ كامنةٌ كبيرةٌ وسريعةٌ لأن تنمو وتتعدّل وتتهذّب.