بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٥١إنّ بعض العلماء قد مثّلوا هذا القرآن كأنّه صديقٌ يتعاملون معه ويستنصحونه، ويسترشدونه فيما يعترض طريقهم من مشاكل، ويطلبون منه العون للخروج من مثل تلك المشاكل، وقالوا بأنّ الإنسان المخلص كلّما زاد تعلّقاً به كلّما وجد له تأثيراً فيه، بل سيحسّ في نفسه بأنّ لكلّ سورةٍ من سوره علاقةً خاصّةً، ونصائح تختلف عن أختها، لأنّه يجد أنّ لكلّ واحدةٍ منها طابعاً خاصّاً بها، تماماً كما أنّ لكلّ صديقٍ مزاجه الخاصّ به.
وإذا كان القرآن الكريم على هذه القوّة والميزة، فلماذا لا تتّخذه الأمّهات عوناً على تربيّة وتوجيه أطفالهنّ ونوراً يستنرن به في طريقهنّ لإرشادهم، ليكونوا صالحين.
ويقول المفسّر سيّد قطب: «إنّني بعد تعامل طويلٍ مع القرآن الكريم عدت أتصوّر سور القرآن الكريم، وعدت أحسّها، وأتعامل معها بعد طول صحبةٍ، وطول ألفةٍ، وطول تعاملٍ مع كلّ منها وفق طباعه وسماته واتّجاهاته وملامحه، وأنا أجد في سوره تبعاً لذلك وفرةً بسبب تنوّع النماذج، وأنساً بسبب التعامل الشخصي الوثيق، ومتاعاً بسبب اختلاف الملامح والطباع، والاتّجاهات والمطلع».
وهذا التصوّر تستطيع الأمّ المسلمة القرآنيّة أن تكوّنه في ذهن طفلها في بداية سنّ الإدراك، وذلك تبعاً لذكاء كلّ طفلٍ ولفطنته، فنجد لكلّ سورةٍ من السور القصار طابعها الخاصّ بها، وموضوعها الذي تتحدّث عنه، ولكلّ واحدةٍ منها نوعاً من التأثير قد جعله الله - عز وجل - فيها، فلا تستطيع سورةٌ أن تقوم بدور السورة الأخرى، تماماً كما لا يستطيع صديقٍ من الأصدقاء أن يكتسب صفات صديقٍ آخر، ولا مؤثّراته، كما أنّ الله قد جعل لكلّ واحدةٍ منها مذاقاً خاصّاً بها، لا يوجد في سورةٍ أخرى.
وبذلك نستطيع أن نقول بأنّ كلّ سورةٍ تبني نوعاً خاصّاً من التوجّه الفكري، وبمجموعها تتكوّن لدى الطفل توجّهاتٌ يبني على أساسها تفكيره في مختلف مجالات الحياة.