بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٦١فمهما بلغ كلام الإنسان من البلاغة والفصاحة فلن يبلغ ولو جزءاً صغيراً من بلاغة وفصاحة كلام الله - عز وجل - الذي أنزله خاصّاً لهذه النفس الإنسانيّة.
- ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ … [الإسراء ـ 88]
وكلّ كلام العلماء، وتعبير الأدباء، وشعر الشعراء، إلاّ ويوجد فيه غلوٌّ في جانبٍ، أو قصورٌ في جانبٍ آخر، ولكن كلام الله - سبحانه وتعالى - ينفرد بميزة قد جعلها فيه خالق هذه النفس وعالم خباياها ومكوّناتها، لأنّه يمتاز بمخاطبة الفكر والعاطفة معاً وفي آنٍ واحدٍ.
يخاطب العقل فيقنعه بما يريد أن يقنعه به، ويخاطب العاطفة فيتسربّ بخطابه إلى مشاعرها، فيستثيرها، ويدفعها إلى أن تتجاوب معه، فيؤثّر فيها تأثيراً بليغاً حقيقيّاً، فتتحوّل تلك القناعة إلى إيمانٍ قلبيٍّ، يقوى بالقدر الذي تتعامل به مع كلام ربّها، حين تسمع له وهو يخاطبها قائلا:
- ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ … [الكهف ـ54]
وقد شبّه بعض العلماء المسلمين القرآن الكريم بالشجرة المثمرة، فتجد أغصانها تحمل في آنٍ واحدٍ أوراقاً وأزهاراً وثماراً، فتستلذّ العين بمنظر أوراقها الخضراء، والأنف باستنشاق رائحة أزهارها الزكيّة، والذوق بطعم ثمارها الحلوة.
وهذه الميزة لا توجد إلاّ في كتاب الله - سبحانه وتعالى - الذي لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ، ولا ينسيه اشتغاله بشيءٍ عن الشيء الآخر، وهو الذي يعلّم هذا القرآن للنفس الإنسانيّة، كما أنّه هو الذي يعلّمها البيان، وهو القائل:
- ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمان ـ 1ـ4]