بناء العبقري بالتربية القرآنية سليمان بن محمد موسلمال

بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

هذا من ناحيّة التعبير اللفظي للقرآن الكريم، أمّا ما يخصّ بيانه ومعانيه وقوّته الروحيّة التي تؤثّر في القلب، فلا يمكن لأحد كائناً من كان أن يدرك أبعادها، وإنّما هي رشفاتٌ يرشفها العلماء المفسّرون المخلصون من بحرٍ عذبٍ لا ساحل له.

- ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ … [الكهف ـ 109]

فالبيان القرآنيّ يحمل شتّى أنواع الأساليب التي تخاطب العاطفة، وتضرب على أوتار القلوب، فتستثيرها، وتأخذ بمجامعها فتنبّهها من غفلتها، وترشدها إلى رشدها الذي لا يستطيع أيّ كلامٍ أن يرشدها إليه.

أمّا أن نجد مثل هذه الميزة في كلامٍ آخر، يُلقى إلى العلماء وإلى الجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى الذكر والأنثى، وإلى الكبار والصغار، فيفهمه كلٌّ منهم على مقياس عقله، ووفق حاجته، فهذا ما لا نجده أبداً في كلامٍ آخر مهما كان فصيحاً بليغاً.

فهو كلام ربّنا الذي أنزله إلى خلقه، فيستعين به البلغاء لتقويّة تعابيرهم، ويراه العامّة أحسن كلامٍ وأقربه إلى عقولهم، لا يصعب على أفهامهم، ولا يحتاجون لفهمه إلى ترجمان، فهو متعة العامّة، واعتماد الخاصّة على السواء، ميسّرٌ لكلّ من أراد أن ينهل منه، ويحفظه، والعاجز من أعرض عنه، وعجز عن دراسته، وحفظه، وتدبّره.

- ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ … [القمر ـ 17]

فكتاب الله كما يقول ابن عطيّه: «لو نزع من القرآن الكريم لفظةً، ثمّ بحث في لسان العرب على لفظةٍ أخرى مثلها، أو أحسن منها لم توجد».

إنّه كما وصفه ربّ العزّة - سبحانه وتعالى -:

- ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ … [هود ـ 1]

١٦٢ / ٤٣٩