بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٢٠٥وأنا أقول: بأنّه أوّل ما يجب أن يتعلّموه، حتّى لا تشتغل قلوبهم بعلمٍ آخر، فيهتمّون به أكثر من كتاب الله - عز وجل -، وأن يقرؤوه، ويحفظوه قبل أن تشغل ذاكرتهم بعلومٍ وأشياء أخرى، ربّما تأخذ منها النصيب الأكبر، وبه نستطيع أن نملأ عقلهم الباطن بالرسائل الإيجابيّة التي تدفعهم إلى التفوّق.
ويقول العلماء بأنّ قوّة الذاكرة تتعلّق بالاهتمام، فالشيء الذي نهتمّ به نحفظه، والشيء الذي لا نهتمّ لا نحفظه.
وتقول الحكمة: قل لي بماذا تهتمّ، أقل لك ماذا تحفظ.
فلتنظر الأمّ، ولينظر الوالد كيف يجعلان أولادهم يهتمّون بكتاب ربّهم، حتّى يتعلّقوا به، ويحفظوه، ويكون أساس تفكيرهم وتوجّهاتهم في حياتهم.
وقال العلاّمة ابن خلدون: «تعلّم الولدان للقرآن شعارٌ من شعائر الدين، والذي اتّبعه أهل الملّة الأوّلون ودرجوا به في جميع أمصارهم، لما يبني في القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده، بسبب آياته، ومتون الأحاديث، وقد صار القرآن أصل التعليم، والذي ينبني عليه ما يحصل في الفرد بعد ذلك من الملكات، (وهذه الملكات على حسب رأي علماء النفس هي التصوّرات التي تنبني في العقل الباطن)،وسبب ذلك أنّ التعليم في الصغر أشدّ رسوخاً، وهو أصل لما بعده، لأنّ السابق الأوّل إلى القلوب هو بمثابة الأساس لبناء الملكات، وعلى حسب قوّة الأساس وضعفه، يكون حال ما يُبنى البناء عليه من جهة القوّة، أو الضعف».
وقد قال ابن عبّاس - رضي الله عنه - فيما رواه عن حفظه للقرآن الكريم: «توفّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم».
وقال الحافظ ابن كثير: «وعلى كلّ تقديرٍ ففيه دلالةٌ على جواز تعليم الصبيان القرآن وهم صغارٌ، بل هو مستحبٌّ، وواجبٌ، لأنّ الصبيّ إذا تعلّم القرآن بلغ سنّ الصلاة وهو قد حفظ ما يستطيع الصلاة به».