بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦وكذلك إذا حفظه وهو صغير، فإنّه بمجرّد أن يبلغ الإدراك يجد ما يبني عليه أخلاقه، ويكوّن به توجّهاته، وتحفيظه القرآن الكريم في ذلك السنّ ممّا ينشّط خلايا مخّه، لأنّها في طور التكوّن والنموّ، فتنمو بسرعةٍ وبقوّةٍ، وهو أولى من حفظه في الكبر، لأنّه يكون أشدّ علوقاً بخاطره، وأرسخ، وأثبت.
وكره بعضهم تعليم الولد القرآن الكريم وهو لا يعقل ما يقال له، ولكن يترك حتّى يصل سنّ العقل والتمييز، فيُحفّظ قليلاً قليلاً على حسب مداركه، وهمّته، وجودة ذهنه، وهذا التوجّه لا يختلف فيه اثنان، لأنّه لا بدّ أن يُعلّم شيئاً فشيئاً، ويتقدّم فيه خطوةً بعد خطوةٍ على حسب نموّ مخّه وتقدّم إدراكه، وهذا يختلف من طفلٍ إلى طفلٍ، ومن أسرةٍ إلى أسرةٍ، ومن مجتمعٍ إلى آخر، ويتحكّم فيه الوراثة، والوسط الأسري والحالة الاجتماعيّة.
وقال الدكتور عبد الرحمان بن عبد الله المالكي:
«إنّ الأساس المهمّ في نجاح التربيّة الإسلاميّة لدى المتعلّمين عموماً هو أن نوجّه الطفل أوّل ما نوجّهه إلى تعلّم القرآن الكريم على الوجه الأمثل، ودراسته دراسةً جيّدةً، لأنّه هو المصدر الأوّل من مصادر التشريع الإسلامي»
وقال القرطبي: «لمّا كان كتاب الله - عز وجل - هو الكفيل بجميع علوم الشرع الذي استقلّ بالسنّة والفرض، ونزل به الروح الأمين إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري، واستفرغ فيه قوّتي».
وما دام القرآن كلام ربّ العزّة، وأوكل النزول به إلى الأرض إلى أمين السماء، جبريل - عليه السلام - وهو خير كلام، إذن فهو كفيل بأنّ يربّي الطفل تربيّةً أمينةً، ويوجّهه خير وأفضل توجيه. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
[الشعراء ـ 192ـ195]